منذ العام 2005 أصبح تشكيل الحكومات في لبنان امراً معقّداً يحتاج إلى «صبر» و»حنكة»، فالراغبين بالحصول على الحصص كثر، والعرض قليل، وعلى رئيس الحكومة المكلف أن يتعلم كيفية التوفيق بين المطالب السياسية والتقسيم الطائفي، فكان الصراع يدور في أغلب الأحيان على ما يُعرف بالوزارات السيادية، وهي أربع: «المالية»، «الداخلية»، «الخارجية» و«الدفاع».

تُوزّع الوزارات السيادية على الطوائف الأربعة الكبرى، الموارنة، السنة، الشيعة، والأورثوذكس، مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وكانت هذه الوزارات تُشكّل «الحصة» الدسمة في الحكومة، فكان الصراع يبدأ من عندها، قبل أن ينتقل إلى ما يُعرف بالوزارات الخدماتية، وهي خمس: «الإتصالات»،« الأشغال العامة والنقل»، «الصحة»، «التربية»، «الطاقة والمياه»، ومن ثم تأتي وزارة العدل في مرتبة أقل، لتكون باقي الوزارات الـ 12 بالمرتبة الأخيرة.

إذا، جرت العادة أن يكون الصراع على الحقائب من أعلى إلى أسفل، ولكن في هذه المرحلة تبدّلت الآية، فبدأ الصراع من المنتصف، وباتت الوزارات الخدماتية هي أساس الصراع، ولم تعد الوزارات السيادية، ما عدا« المالية»، مغرية لأي من القوى السياسية.

بداية، لا بد من الإشارة، إلى أن الدستور اللبناني لم يفاضل بين وزارة وأخرى، وبين حقيبة وأخرى، وإكتفى بالاشارة في مادته الـ95 إلى أنه «تمثّل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزراة، وتلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص اية وظيفة لاية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة»، وبالتالي، جعل القانون الوزير سيّد وزارته، وكل الوزراء يملكون نفس القوة داخل مجلس الوزراء، ولكن ما جعل الأمور تتغيّر هو «المصالح الشخصية» التي لا يُفترض بها أن تكون موجودة أصلاً بطريقة إدارة الوزارات.

وتشير مصادر سياسية مطّلعة على ملف تشكيل الحكومة إلى أنه في الحكومات الماضية، كانت القوى السياسية تتصارع على الحقائب التي تصنف سيادية، لكن أهمية تلك الحقائب تراجعت في الوقت الراهن، نظراً إلى أن الإستحقاقات التي تنتظر البلاد في المرحلة المقبلة لا ترتبط بها، باستثناء «المالية»، الأمر الذي يفسر إستعداد بعض الأفرقاء للتخلي عن حقائب سيادية مقابل الحصول على أخرى تصنف خدماتية، كطرح رئيس الحكومة المكلف إستبدال «الداخلية» بـ«الطاقة والمياه».

في هذا السياق، تؤكد المصادر إلى أنه من الضروري الإشارة إلى أن الحقائب، التي يمكن القول أنها «دسمة»، ستكون تلك المرتبطة بمشاريع كبرى في المرحلة المقبلة، نتيجة التفاهم مع صندوق النقد الدولي أو الجهات المانحة الأخرى، كوزارة الطاقة، حيث الحديث عن إصلاح قطاع الكهرباء، أو« الإتصالات» التي ستكون على موعد مع مناقصات جديدة، أو «البيئة» التي من المفترض أن تطال المشاريع المتعلقة بمعالجة ملف النفايات.

بالتزامن، ترى المصادر أن الظروف الإقتصادية والإجتماعية الحالية ستقود إلى بروز عدد من الحقائب الأخرى، كوزارة الشؤون الإجتماعية التي سيكون لها دورها الكبير على مستوى توزيع المساعدات مع تزايد نسبة الفقر في البلاد، بالإضافة إلى وزارة العمل التي سيقع على عاتقها معالجة الكثير من الملفات الهامة، من دون تجاهل حقيبتي الصحة والتربية، نظراً إلى الإرتباط بالواقع الصحي في ظل إنتشار فيروس كورونـا المستجـد، والثانية بالواقع الناتج عن تداعيات هذا الفيروس.