تعيش الساحة المسيحية تحت تأثير الأحداث وتمر منذ 17 تشرين بأسوأ مراحلها التاريخية على الاطلاق بعد ان فاقم انفجار 4 آب الذي اصاب منطقة مسيحية بنكبة كاملة التأزم المسيحي وخلق هوة بين الشارع والقيادات على الرغم من السعي الذي تقوم به للملمة شارعها وترميم الثقة المفقودة معه.

وإذا كانت الأولوية اليوم هي لتشكيل حكومة والضغط للخروج من الانهيار والافلاس وما يتهدد لبنان في حال فشل المبادرة الفرنسية مع دخول لبنان مدار التحولات الخطرة، فان القيادات المسيحية في صدد دراسة واقعها وأبعاد ما بعد التأليف وصياغة مواقف جديدة ومختلفة عن المرحلة السابقة ربطا بالوضع المسيحي السوداوي خوفا من فقدان السيطرة على غضب الشارع خصوصا ان قيادات الصف الأول تتحسب للانتخابات الرئاسية بعد سنتين وقد فتحت العقوبات التي استهدفت رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل شهية «المسترئسين» لاستغلال وضع العهد وفريقه السياسي تحت وطأة الأزمات الداخلية.

تسعى القيادات لترميم شعبيتها المتهاوية لاستقطاب الشارع المسيحي قبل المعركة الرئاسية عام 2022، وما يحصل من مناورات سياسية اليوم ومواقف متشنجة يصب في اطار الاستثمار في الأزمة ووضع المسيحيين المتهالك ، حيث يرى المرشحون للرئاسة ان توتر علاقة باسيل بواشنطن يضاعف من حظوظهم وقد بدأت فعلا المبارزة تحتدم قبل الدخول في العد العكسي لمعركة الرئاسة.

من الصعب الحكم منذ اليوم على مدى تأثر الوزير السابق جبران باسيل بالعقوبات الأميركية، ثمة من يعتبر ان هذه العقوبات أكسبته عطفا مسيحيا كبيرا ومن يضعها في خانة التأثيرات السلبية المربكة له داخليا على أبواب تأليف الحكومة والاستحقاقات القادمة ويقول المتابعون ان شعبية باسيل تأثرت بعد ثورة 17 تشرين الأول واختلفت وضعيته عما كانت عليه، فهو كان سابقا يختصر المشهد السياسي بحركته الصاخبة ويتصدر قائمة المرشحين الأقوياء كونه يمتلك المواصفات المطلوبة للمرشح الرئاسي فهو رئيس لحزب مسيحي شارك في الحكومات الماضية ورئيس تكتل نيابي من ثلاثين نائبا في البرلمان وكانت له الكلمة الأولى في التفاصيل الداخلية من تعيينات قضائية وسياسية وامنية متكلا على الثنائية القوية مع رئيس الحكومة سعد الحريري آنذاك والتفاهمات مع حزب الله، الا ان تبدل الأحداث أعاد باسيل الى المربع الأول لما كان عليه قبل ان يصبح رئيسا لتكتل لبنان القوي ولم يعد يصب في مصلحة معاركه القادمة بعد تردي علاقته بحلفائه السابقين وسقوط التسوية مع رئيس تيار المستقبل وبعد ان نسف تحالفات سياسية واسعة وتفاهمات فاهتزت علاقته برئيس حزب القوات سمير جعجع وخاصم وليد جنبلاط في اكثر من محطة ولم يصالح سليمان فرنجية فيما يبدو اليوم التحالف مع حزب الله تحت تأثير الضغوط والعقوبات الأميركية.

يعمل النائب جبران باسيل على تجميع الاوراق الداخلية والخارجية فيحاكي الوجدان المسيحي ويثير عواطف المسيحيين بشعارات عدم التفريط بالصلاحيات والتخلي عن الحقائب من اجل انجاح المبادرة الفرنسية والانقاذ من السقوط في الهاوية.

رئيس حزب القوات سمير جعجع ليس بعيدا عما يجري فجعجع يتمسك بالمبادرة الفرنسية محاكيا الهواجس نفسها، حيث يجهز نفسه من اجل دور محوري بعد انتقاله الى ملعب المعارضة وينطلق ايضا من رصيد شعبي وارقام في استحقاق 2018 رفعته الى مرتبة الاقوياء مسيحيا ويتكل جعجع ايضا على معادلة وظروف مختلفة عن العام 2016 حالت دون وصوله الى قصر بعبدا وتراجع شعبية التيار لدى المسيحيين.

أما رئيس تيار المردة سليمان فرنجية فلا يبدو متأثرا بالعقوبات التي استهدفت وزيره السباق يوسف فنيانوس وهو يحاول التموضع بعيدا عن الجبهات الداخلية المفتوحة، الزعيم الزغرتاوي الذي ضاعت منه الفرصة الرئاسية التي انتقلت الى الرئيس ميشال عون يراهن على ظروف مختلفة عن الانتخابات الماضية.

قائد الجيش العماد جوزف عون زج اسمه في المعركة الرئاسية قبل فترة على خلفية علاقاته الجيدة مع الأميركيين والسعوديين وعلى خلفية الحفاوة السعودية مما يسلط الضوء عليه كاحد الاسماء المطروحة للرئاسة الاولى كونه قائدا للجيش وقد شهدت مرحلة ما بعد الطائف انتقال قائدين للجيش الى بعبدا.

على الرغم من كل مأسوية الوضع الراهن فإن تسجيل الاهداف في مرمى الرئاسة قائم من اليوم، هناك من يقف محايدا من السياسيين الموارنة وهناك من سيعيد تحالفاته وتموضعاته بعد ظهور الخريطة السياسية على أبواب تسلم الإدارة الأميركية فالاستحقاق الرئاسي ليس مسألة داخلية بمعزل عن الاحداث والتطورات .