الكل يستذكر يوم 22 تشرين الثاني من العام الماضي، حين قامت مجموعات ثورة 17 تشرين بإستعرض مميز في عيد الاستقلال، شاركت فيه النقابات والمصالح العمالية وطلاب الجامعات والمدارس من معظم  المناطق اللبنانية، فأعطت صورة حضارية عنها الى جميع دول العالم، التي تناولت تلك المشاهد في وسائلها الاعلامية، متحدثة عن ثورة راقية جمعت من حولها اعداداً شعبية كبيرة ، تحت عناوين عدة منها «انتفاضة على الفساد والسرقة ومواجهة الافرقاء السياسيين وإخراجهم من الحياة السياسية»، مع كل ما يحمله معظمهم من اتهامات بالفساد والهدر وسرقة المال العام، التي اوصلت البلد الى كوارث لم يعد قادراً على التصدّي لها. لذا وعلى الرغم من تبدّل معاني تلك الذكرى، تبدو الصورة اليوم وفي التاريخ عينه مغايرة ومؤلمة، لان الثورة انتهت  الى غير رجعة، وبإعتراف اكثرية من شارك فيها بسبب عشوائية مواقفها ومطالبها.

الى ذلك يقول سياسي عتيق عايش مراحل عديدة من تاريخ لبنان: «للاسف لا تنجح ثورة  ولا حتى انتفاضة في لبنان، بسبب الانقسامات الطائفية والمذهبية والولاءات الحزبية، على الرغم من وصول اليأس الى نفوس جميع اللبنايين، جراء  «تخبيصات» اكثرية قيادييّهم، فمنهم من يصف وضع لبنان اليوم بالميت الذي لا يجوز التحدث عنه، ومنهم من يوزّع الشتائم يميناً ويساراً مترّحماً على الشهداء الذين سقطوا منذ 17 تشرين 2019 ولغاية اليوم، وعلى مَن فقد عينه خلال التظاهرات، لان النتيجة جاءت مخيّبة للامال، لانها اعادتنا  الى الوراء من جديد بعد كل تلك التضحيات». معتبراً أنّ الشعور بالهزيمة بات واقعاً اكثر من اي وقت مضى، مع ظهور الاحباط والتشتت في صفوف هذه الثورة، مستذكراً في هذا الاطار ايضاً الاحباط الذي شعر به مؤيدو فريق 14 آذار، الذي خذل جمهوره من خلال عدم اتخاذه القرار السياسي الصائب في العديد من المسائل، وهكذا هي الثورة اليوم، إضافة الى انّ غياب قائدها وسيطرة الطائفية والمذهبية والطابور الخامس وقفت أحجار عثرة امامها، وساهمت بقوة بهزيمتها السياسية، سائلاً: «أين خطابها الثوري؟، واين الوفاء للمبادئ والثوابت؟»، مشيراً  الى ان شارعها يشهد تخبّطاً لا مثيل له، والدليل ما يجري على صفحات التواصل الاجتماعي من لوم  لها، حتى انّ معظم اركانها نعوها وهذا يعني انها انتهت ويتحّضر الجميع لدفنها، لان العشاق  تفرّقوا وبات كل طرف يغني على ليلاه . لافتاً الى ضرورة التحضير لطريقة عمل جديدة في حال ارادوا إنعاشها، تحوي التخطيط والتنسيق بين اركانها، لان جمهورها سمع منا الكثير ولم ير منها شيئاً، لذا تحتاج لصرخة ثورية تعيد مَن خرج من الصفوف الى النضال من جديد. طارحاً فكرة عقد مؤتمر موّسع في محاولة اخيرة لإيقاظها من سباتها العميق، الذي قضى على كل شيء، ولوضع النقاط السياسية على الحروف، بعد ان وصلنا اليوم الى النهاية، بحيث بتنا بحاجة الى صرخة قوية انقاذية في الايام الاخيرة قبل الدمار الشامل للبنان.

وذكّر السياسي العتيق بإنجازات الثورة قبل عام، ومنها كسر الحواجز النفسية بين اللبنانيين، بطوائفهم ومناطقهم وخطوط التماس من زمن الحرب، مع سماع صوت الشعب المعارض والمكبوت ضمن بيئته ومناطقه المحسوبة على الزعيم، مثنياً على صوتها الصارخ حينها والذي ادى الى استقالة حكومتين، والمطلوب اليوم عودة تلك الحماسة وتوحيد الكلمة، لانها الفرصة الاخيرة قبل فوات الاوان، والبكاء على الاطلال وعندها لن ينفع الندم .