اذا اردنا ان نعرف لماذا تزداد الامور تعقيدا على الساحة اللبنانية، فعلينا ان نقرأ بإمعان ما جرى في مدينة «نيوم» السعودية حيث بات لقاء رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتانياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان «امرا واقعا»، ولن تستطيع تغريدات وزير الخارجية السعودي «النافية» «بخجل» لحصول اللقاء، «طمس» حقيقة التسريبات الاسرائيلية المقصودة في توقيتها ودلالاتها.

ولذلك لا تبدو المراوحة القاتلة في لبنان بعيدة عن ما «يطبخ» في المنطقة، ولا يستطيع الرئيس المكلف سعد الحريري المخاطرة بمستقبله السياسي والذهاب بعيداً في تشكيل حكومة ترضي حزب الله وتزعج الاميركيين والسعوديين الذين ارسلوا اليه رسالة «واضحة» عبر رئيس ديبلوماسيتهم فيصل بن فرحان آل سعود الذي لم يكن معنيا بتقديم اي «حاضنة» سياسية للرئيس المكلف، لكنه حدد له مهمته في اي حكومة جديدة، «رفع الغطاء عن حزب الله»، وهي مهمة يدرك الحريري انها تتجاوز قدراته الذاتية، ويبدو انه استمع جيدا الى نصائح فرنسية وصلته مؤخرا «بالتريث» وتأجيل اتخاذ اي قرارات حاسمة سواء بالمفاوضات مع رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة او «الاعتذار»، الى ما بعد انتهاء الفوضى الاميركية السائدة اليوم في المرحلة الانتقالية حتى يتبين «الخيط الابيض» من «الاسود» في العشرين من كانون الثاني المقبل، خصوصا ان «الضرب» تحت «الزنار» قد بدأ يتبلور اكثر فاكثر في الاقليم، فتزامنا مع استعراض القوة الاميركية بطائرات بـ«52» العملاقة، والتلويح بضربة اسرائيلية لمفاعلات نووية في ايران، تجبر طهران على الرد لتدخل بعدها اميركا في المواجهة، صعدت اسرائيل من حدة المواجهة في سوريا بسلسلة من الغارات العنيفة اعقبت زيارة قائد الحرس الثوري الجنرال اسماعيل قاآني، فيما جاء رد طهران التحذيري على اي حسابات خاطئة تجاه اراضيها من الجبهة اليمنية، حيث استهدف الحوثيون بصاروخ «قدس2» مجمع لشركة آرامكو النفطية في مدينة جدة.

 الترويج للتصعيد!

وفي سياق التسويق للتصعيد في المنطقة، قال موقع «واينت» الصهيوني، إن «الرحلة الغامضة» لنتانياهو ليلة الأحد قد تمت على خلفية عدة قضايا حارقة مطروحة على أجندة الشرق الأوسط: اتفاقات التطبيع بين إسرائيل وبين الدول العربية، تقارير عن توجه لدى الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب لمهاجمة إيران عسكريا قبيل خروجه من البيت الأبيض. وزعم الموقع إن إيران دعت حلفائها في الأيام الأخيرة بالحفاظ على مستوى عال من الجاهزية، مذكرا بأن الرئيس المنتخب جو بايدن صرح عدة مرات بأنه يؤيد العودة للاتفاق النووي مع طهران وهذه خطوة تعارضها إسرائيل والسعودية والإمارات... وهذا ما يفسر الحراك المتسارع في المنطقة.

 تحريض... و«تسريب»؟

وازاء ما تقدم، لا ترى اوساط سياسية مطلعة، امكانية حصول اي خرق حكومي، قبل تبلور مرحلة «اللايقين» في المنطقة، وسط انهيار «شبكة» الامان الاقتصادية، والسياسية، والقلق من تداعيات امنية وعسكرية تبدو ظروفها ناضجة اكثر من اي يوم مضى، خصوصا مع دعوة وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو من الجولان المحتل الى تغيير قواعد «الاشتباك» القائمة من خلال القرار 1701الذي صدر عقب حرب تموز 2006ومن باب تعديل مهمات قوات اليونيفيل العاملة في الجنوب، وتزامنا مع جولته «التحريضية» في المنطقة، جرى تسريب خبر زيارة سرية بعيدة عن الاعلام لقائد «فيلق القدس» الجنرال إسماعيل قاآني الى سوريا ولبنان والعراق، والتقى خلالها الرئيس السوري بشار الأسد، والامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وبغض النظر عن صحة المعلومات من عدمها، فان احدا لم ينفها، ولم يؤكدها من الاطراف المعنية، لكن حصولها في هذا التوقيت منطقي للغاية، كما تقول اوساط ديبلوماسية بارزة في بيروت، لان ثمة مخاطر مرتفعة للغاية في هذه المرحلة، وتحتاج الى تنسيق كبير للجهود بين هذه الاطراف، ومجرد ان يتحرك الجنرال قاآني في مهمة مماثلة يعني ان حجم المخاطر مرتفع ويحتاج الى خطة مواجهة يبدو انها باتت جاهزة لدى مختلف اطراف «المحور» وهو ما ألمح اليه السيد نصرالله في اطلالته الاعلامية الاخيرة.

 «رسالة» سعودية للحريري

ولم يكن ينقص الوضع المأزوم داخليا وخارجيا الا كلام وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان آل سعود الذي حافظ على «سقوف» المملكة المرتفعة ازاء الملف اللبناني، رافضا الحديث عما يمكن ان تقدمه بلاده للمساعدة، معتبرا ان «أهم ما يمكن للبنان أن يقوم به هو مساعدة نفسه، فالوضعان السياسي والاقتصادي في لبنان هما ثمرة طبقته السياسية التي لا تقوم بالتركيز على تحقيق الرخاء لشعب لبنان. داعيا الحكومة اللبنانية التركيز على القيام بإصلاحات حقيقية وتقديم الخدمات من أجل البلاد وبدء العمل على امكاناته.

وفي «رسالة» واضحة الدلالة لرئيس الحكومة المكلف، قال بن فرحان لدى سؤاله عن دعم المملكة السابق لسعد الحريري في تشكيل الحكومة، وعن كونه اليوم الرجل المناسب لاخراج لبنان من ازمته، «الامر لا يتعلق بفرد، بل الاهم ان يكون التغيير حقيقي في كيفية العمل في لبنان، وكيفية عمل الطبقة السياسية». وزعم الوزير السعودي ان نظام الحكم في لبنان يركز بشكل اساسي على تقديم الغطاء لحزب الله، الذي يقوض الدولة بالكامل، فالدولة تعج بسوء الادارة والفساد، لانه يسيطر عليها حزب هو ميليشيا مسلحة، تستطيع فرض ادارتها على اي حكومة، وبدون اصلاحات هيكلية تعالج هذه المشكلة الاساسية، الافراد ليسوا هم القضية».

ماذا يعني الكلام السعودي؟

والترجمة العملية لهذا الكلام السعودي، ان اي حكومة تضم بشكل مباشر او مموه، ممثلين لحزب الله لن تحصل على اي دعم مالي خارجي، وستتعاطى معها المملكة وحلفائها كما تعاطت مع حكومة الرئيس حسان دياب، اي «التجاهل»، لكن الاخطر في هذا السياق، بحسب مصادر مطلعة،ان العقوبات الاميركية على الوزير جبران باسيل، والوزير علي حسن خليل، والوزير يوسف فنيانوس، زادت الضغوط على الحريري الذي يخشى ايضا من «مقصلة» العقوبات كون التهمة جاهزة ولم يعد بالامكان التسامح مع سياسة «ربط النزاع» مع حزب الله، ولهذا يجد نفسه محاصرا بين «مطرقة» المطالب الخارجية ومخاطرها، و«سندان» رفض حزب الله ورئيس الجمهورية ميشال عون لاي تجاوز لموازين القوى الداخلية بما يعني استسلاما غير مقبول لارادة الخارج.

كيف «يقرأ» حزب الله التطورات؟

ووفقا للمعلومات، يقرأ حزب الله جيدا التطورات المتسارعة، ويدرك معنى محاولات عزله داخليا، فالمطلوب تهيئة الارضية لجعل الساحة اللبنانية منهكة، ومحطمة، لكي تصبح غير قادرة على مواجهة «قضاء وقدر» الموجة العربية التطبيعية، واذا كانت اسرائيل قد حصلت على الاقتصاد، والسوق التسويقية لاقتصادها، وحصلت على علاقات ديبلوماسية تخرجها من عزلتها السياسية، فان الشق الاكثر خطورة في ازمتها يبقى الملف الامني، والعسكري، وتشكل الجبهة اللبنانية منطلقا لهذا الخطر، ولا بد من ايجاد مخرج ملائم لاضعافها،وكل الخيارات مفتوحة، العقوبات الاقتصادية، وسياسة «التجويع»، والتهويل بمغامرات عسكرية وصولا الى «دغدغة» مشاعر البعض من خلال اظهار التعاطف مع الشعب اللبناني من خلال ابداء حرص جيش الاحتلال على معايدة اللبنانيين في مناسبة الاستقلال متمنيا لهم الخروج من المأزق الذي يتخبطون فيه اليوم...!؟

وانطلاقا من هذه المعطيات، لا تبدو الاجواء مهيئة «لولادة» الحكومة الجديدة، الا اذا اختار الرئيس المكلف «المغامرة» مرة جديدة من خلال «النأي» بنفسه عن الرغبات السعودية - الاميركية، وهو امر غير متوقع، كما ان الفريق الآخر وفي المقدمة رئيس الجمهورية، لن يقدم اية تنازلات سبق وقدمها رئيس التيار الوطني الحر، لكنه اخفق في ارضاء الاميركيين الذين لا يريدون «انصاف» حلول، ولهذا ستبقى الازمة اللبنانية على تعقيداتها مفتوحة على احتمالات عديدة، ومن المرجح ان يستمع الرئيس الحريري الى النصيحة الفرنسية «بالتريث» حتى استلام جو بايدن الرئاسة، علَ هذا التطور يفتح «ابواب» الحوار مع طهران، ويسمح «بالتسوية» في لبنان ما سيؤدي حكما الى رفع «سيف» العقوبات المسلط فوق «رأسه» بتهمة «التغطية» على حزب الله.

 مزيد من الضغوط على عون

وفي سياق الضغوط الاسرائيلية المتصاعدة على رئيس الجمهورية ميشال عون، لتليين موقفه من مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، غرد وزير الطاقة في دولة الاحتلال يوفال شتاينيتز عبر حسابه على «تويتر» قائلاً: «فخامة الرئيس اللبناني ميشال عون، أولا، رغم وضع العلاقات الراهنة بين بلدينا أود أن أتمنى للشعب اللبناني ليس فقط عيد استقلال سعيد بل أيضا انتعاشاً سريعاً من الأزمة التي تعيشونها». وعن موضوع ترسيم الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية ونفي الرئاسة اللبنانية أن لبنان بدل موقفه في موضوع الحدود البحرية 7 مرات، أسف أن عون «يبدو أنه لا يعرف كل الحقائق حول هذا الأمر وذلك بسبب قيام الطرف اللبناني بتبديل مواقفه حول الحدود البحرية مرات عديدة خلال الـ15 عاما الأخيرة». واشار شتاينيتز إلى أنه «على قناعة بأنه لو استطاع الطرفان الالتقاء وجها إلى وجه في إحدى الدول الأوروبية من أجل اجراء مفاوضات علنية أو سرية، لكانت لهما فرصة جيدة لحل الخلاف حول الحدود البحرية مرة واحدة وللأبد، وبذلك المساهمة في تعزيز مستقبل الشعبين الاقتصادي ورفاهيتهما...!

 الالتحاق «بالتطبيع»؟

ووفقا لمصادر مقربة من بعبدا، فان هذه المحاولات تبدو مكشوفة لزيادة الضغوط على رئيس الجمهورية لتغيير مقاربته من ملف الترسيم، وهو امر لن يحصل اي تراجع فيه، اما ربط الازدهار في لبنان، بمفاوضات مباشرة مع اسرائيل، فيكشف بوضوح النوايا الاسرائيلية المبيتة والتواطؤ الحاصل في «تجويع» لبنان لتركيعه واجباره على الالتحاق «بركب» التطبيع العربي، وهذا عملية «ابتزاز» مكشوفة وتبين خطورة ما يحاك في المنطقة وما سيواجه لبنان في المرحلة المقبلة.

جمود... و«زواريب»!

وفي مواجهة هذه التطورات الاقليمية شهدت الحركة السياسية جمودا ملحوظا خلال الساعات الماضية، فلا اتصالات حكومية ولا زيارات للحريري الى بعبدا، وبانتظار تحرك ما «لملء الفراغ» في الايام المقبلة، اندلعت حرب «زواريب» في بيروت بين حركة امل، والتيار الوطني الحر، ظاهرها قانون الانتخابات، وباطنها «القلوب المليانة» حكوميا على خلفية وزارة المال، والاتهامات المتبادلة في تعطيل الاصلاح، فعشية جلسة اللجان المشتركة المخصصة لدرس اقتراح قانون الانتخاب، غرد عضو كتلة التنمية والتحرير النائب قاسم هاشم عبر تويتر: «دراسة قانون الانتخابات أمر طبيعي ومطلوب. ما يثير الالتباس والاستهجان هو التمسك بقانون اثارة العصبيات المذهبية والطائفية والمناطقية. قانون الانتخابات ينبئنا اي وطن نريد». وردا على موقف هاشم، غرد عضو تكتل لبنان القوي النائب آلان عون مخاطبا هاشم: عزيزي قاسم، لا شيء ممنوع البحث فيه ولكن بالله عليك: هل قوانين المحادل في التسعينيات تحت مسمّى «الإنصهار الوطني»، صهرتنا وحدةً أم تهميشاً وتفرقة وعصبيات في ما بيننا؟ ألم يحن الوقت لنقتنع أن الوحدة الوطنية هي في تفاهمات صادقة ومتوازنة بين اللبنانيين وليس في إلتفاف مُضْمَر على تمثيلهم»؟ بدوره، دخل عضو تكتل لبنان القوي النائب زياد أسود على خط السجال، فكتب عبر تويتر: «بقاء قانون الانتخاب يؤدي إلى حرب أهلية، التدقيق الجنائي، أموال المودعين، وزارة المال، الوزراء، المناصفة، التعيينات، التهريب، السلاح، (تشريع) الحشيشة لدواع طبية، وزارة الأشغال، الزراعة، احتلال المشاعات، لاسا، العاقورة اليمونة، أمن عام، المازوت، النفط، المرفأ. الخ. بس (...) على الناس بتصير وحدة وطنية.

اما حكوميا، فقد أكد المكتب السياسي لحركة أمل أن المطلوب انجاز الحكومة بأسرع وقت ممكن والانطلاق نحو تطبيق البرنامج الاصلاحي المتفق عليه. واعتبر، في بيان أنه لم يعد مقبولا الاكتفاء بتسربيات حول ما يجري في الخفاء بمسألة التشكيل مشدداً على أن المطلوب مصارحة الرأي العام حول العقد الحقيقية التي تؤخر انجاز الاستحقاق. وفي غمز من «قناة» الرئاسة الاولى قال البيان أن المطلوب عدم التذرع ورمي الاتهامات ورفع الشعارات حول المساواة وغيرها لإعاقة تأخير تشكيل الحكومة. ولفت الى أن حركة أمل قدمت كل التسهيلات من اجل انجاز تشكيل بأسرع وقت والوصول الى حكومة قوية وقادرة.

 سباق بين «المحاضر» والاصابات!

وفي وقت لفت الخبير الاقتصادي الأميركي البروفيسور ستيف هانك، إلى أن لبنان تجاوز دولة زيمبابوي ليصبح بالمرتبة الثانية من حيث التضخم العالمي،لامس عدد محاضر المخالفات الـ2700 الف، سجلت ارقام فيروس «كورونا» استقرارا في الارقام، وبينما نتائج الالتزام بقرار الإقفال العام تحتاج الى مزيد من الوقت،أعلنت وزارة الصحة العامة تسجيل 11 حالة وفاة و1041 إصابة جديدة خلال الساعات الـ24 الماضية. في هذا الوقت،نعت نقابة اطباء لبنان في بيروت الطبيبين خليل سيف الدين وظافر ميتا من البقاع اللذين توفيا جراء اصابتهما بفيروس كورونا خلال قيامهما بواجبهما المهني،وحثت النقابة العاملين في القطاع الطبي والتمريضي والاستشفائي على اتخاذ اقصى درجات الحيطة والحذر والتدابير الوقائية لتجنب الاصابة بهذا الوباء، وكررت طلبها الى المستشفيات ان تؤمن للاطباء والممرضات والعاملين الصحيين كل الاجراءات والتدابير اللازمة والضرورية لكي لا تزيد اعداد المصابين منهم، وطالبت نقابة الاطباء الدولة والسلطات الرسمية المعنية بأن تخصص جزءا من محاضر الضبط التي تسطرها في حق المخالفين الذين لا يتقيدون بالاجراءات المفروضة في المدن والشوارع، والتي تذهب الى البلديات وصناديق القضاة وغيرها، للطواقم الطبية والتمريضية التي تعالج المرضى ويصاب عدد منها او يموت، وذلك لتحفيز هذا القطاع على العمل والاستمرارية.