لم يكن الانهيار المالي والاقتصادي مفاجئا للبنانيين الذين وصلت نسبة الفقر بينهم الى 60% وهي الى الارتفاع مع تدهور سعر صرف الليرة امام الدولار الذي اعتمد كوحدة مالية في الاقتصاد، الذي تحول الى «الدولرة» وهو ما فاقم من الازمة، لا سيما وان لبنان بلد مستورد بفاتورة عالية تصل الى حوالى عشرين مليار دولار سنويا، مقابل تصدير قارب حدود الثلاثة مليارات دولار سنويا بعجز سنوي حوالى 17 مليار دولار.

هذا الاقتصاد الريعي وغير المنتج كان يوازيه ما يسمى بـ «الاقتصاد المقنع» الذي كان يمنع الانهيار الى حد ما وهو يقوم على ثلاث ركائز: المال سياسي المخدرات، المغتربين وهو ليس بالاقتصاد الحقيقي وليس له مقومات الاستمرار بل كان بمثابة تسكين او تنويم للبنانيين عن ازماتهم وفق ما يقول مرجع مالي كان لفترة في موقع وزاري وتعرّف على خزينة الدولة وموازنتها، اذ لا يرى ان في الافق حلولا للازمة النقدية، التي هي نتاج عقود من السياسات المالية التي اتبعت منذ تسعينات القرن الماضي، تحت شعار تثبيت سعر صرف الليرة وقد يكون اعطى استقرارا نقديا لكنه لم يقدم اقتصادا منتجا اذ ان اللجوء الى الاستدانة بفوائد عالية للحفاظ على الاستقرار النقدي حمّل لبنان ديونا وخدمة الدين ادت الى ما وصل اليه الوضع الحالي من افلاس وتهريب اموال من المصارف الى الخارج اولا من اصحابها والمساهمين فيها فلم يعد بمقدور المودعين سحب اموالهم.

وهي المرة الثانية التي يخفض فيها الليرة والذي وصل سعر الدولار الواحد الى ثلاثة الاف ليرة في عهد الرئىس امين الجميل، بعد ان كان سعرها حوالى ثلاث ليرات مقابل الدولار الواحد وقد تسلم الجميل الرئاسة من الرئىس الياس سركيس بهذا السعر، لينهي عهده بكارثة مالية يقول المرجع ولم تكن المعالجة بعد اتفاق الطائف، ووقف الحرب الاهلية بنهج اقتصادي مغاير لمرحلة الستينات والسبعينات، الذي قام على السياحة والترانزيت وتحويل الاموال والمصارف الخ... وهذه القطاعات على اهميتها فإنها لا تبني اقتصادا منتجا بل قام الاقتصاد على ما يجنيه المودعون من فوائد على مدخراتهم، وهذا جذب اموال مغتربين والتي تبخرت مع الازمة المستجدة اضافة الى الاستثمار بالعقارات التي ارتفعت الى حد كبير اسعار الاراضي والشقق ليس لان لبنان ناهض اقتصاديا بل لان الازمات المالية في بعض دول العالم لا سيما في اميركا في العام 2008 وكذلك في دبي دفعت باللبنانيين كما من جنسيات اخرى شراء اراض وعقارات ما لبثت بعد ان تعافى الاقتصاد في الخارج ان توقفت العمليات العقارية.

ومنذ العام 1997 انكشف لبنان على ازمة مالية واقتصادية قادم عليها فكان تأجيلها بمؤتمرات دولية ومكرمات خليجية لمنع الانهيار لجأ اليها الرئىس رفيق الحريري ولم تتبعها اصلاحات في بنية النظام الاقتصادي ولم يفتح الاقتصاد على الانتاج بل على ان لبنان مركزا تجاريا ومصرفا وخدمات سياحية كانت دول اخرى في المنطقة تأخذ هذا الدور من دبي الى البحرين وتركيا وقبرص وغيرها من الدول ففقد لبنان هذا الدور الذي سيتراجع مع التطبيع الذي لجأت اليه دول عربية مع العدو الاسرائىلي وبدأت تظهر مفاعيل هذا التطبيع وادى انفجار مرفأ بيروت الى ان تظهر مرافئ اخرى منافسة له على شواطئ البحر الابيض المتوسط، يقول المرجع الذي يشير الى ان لبنان وبعد ان تفاقمت ازمته المالية والاقتصادية وانتشار الفساد فيه، فلم يعد امامه الى ان يتجه الى اصلاحات بانت مشروطة من دول لتقدم اليه قروضا مالية للاستثمار «سيدر» في نيسان 2018 وكان من شروط الدول المانحة والمقرضة للبنان ان يحرر سعر صرف الليرة ويلغي الدعم ويرشق القطاع العام بتخفيض عدد الموظفين فيه والغاء حوافز تعطى لهم كالتقاعد والتعويضات والخدمات لا قدرة لدولة مثل لبنان محدودة الدخل ان توفيها بل تسبب عجزا في الموازنة يزداد سنويا كما طلب من لبنان اصلاح قطاع الكهرباء الذي ارتفعت كلفته سنويا ووصل الى ملياري دولار وكذلك خدمة الدين العام.

هذه الاقانيم الاصلاحية لم يبدأ بها لبنان وذهب الى تحرير سعر صرف الليرة من دون ارادة احد بل لان المصارف لم تعد قادرة على تقديم ما تحتاجه الدولة فعقد اجتماع في القصر الجمهوري في حزيران من العام 2019 وكان سعد الحريري رئىسا للحكومة للبحث في مالية الدولة وبالاحتياط في مصرف لبنان وكان التوجه نحو تحري سعر صرف الليرة ليصل الى ثلاثة الاف ليرة او خمسة الاف وبالتدرج فاعترض حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وقال ان حاكما غيره ينفذ ذلك لان اسمه ارتبط باستقرار سعر صرف الليرة ولم يخرج الاجتماع بقرارات كما يكشف المرجع الذي ذكر بأن وزير المال علي حسن خليل تحدث عن هيكلة الدين ليعود فيتراجع عن تصريحه كي لا يشكف واقع الازمة المالية وتبعه سلامة باعلانه الشهير «ان الليرة بألف خير» ليطل شهر ايلول من العام نفسه والازمة تتفاقم وبدأت الحكومة برئاسة الحريري تفتش عن تمويل عبر الرسوم والضرائب وكان اقتراح برفع القيمة المضافة على السلع من 11% الى 20% او اقل الى ان كان الرسم على «الواتساب» وانفجر الغضب في الشارع الذي تابع تحركه، استكملت المصارف ومن هم في موقع القرار، ويملكون المعلومات بتهريب الاموال، وبدأ سعر صرف الليرة يتدهور، وتوقفت المصارف عن الدفع الا بنظام «الكابيتال كونترول» ورافقه «الهيركات» وتحول سعر الصرف الى ثلاث منصات، السعر الرسمي 1515، وسعر المصرف 3900، والسعر الحر وفق العرض والطلب والذي شارف على العشرة آلاف ليرة في مرحلة. وبدأ لبنان تسديد فاتورة صندوق النقد الدولي بتحرير سعر صرف الليرة. ومنذ انكشاف ما يدور في اروقة المسؤولين منذ العام 2019، كتبت مقالاً في 10 تشرين الثاني 2019، وقبل ان تستفحل الازمة، بأن «لبنان يتحول من النموذج اليوناني الى الفنزويلي»، ولم يكن احد يصدق ذلك، اذ بات كثير من المحللين والخبراء يتحدثون عن ذلك، وقد اشرنا فيما بعد الى ان سعر صرف الليرة لن يقف عند حد، وها هو سلامة يعلن تحرير السعر مع نفاد الاحتياط.