بعد اتهام رئيس الجمهورية ميشال عون الرئيس المكلّف سعد الحريري بالكذب من خلال الفيديو المسرّب، وما سبقه من كلام رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل في مؤتمره الصحافي الأخيربأنّه لا يأتمن الحريري على إدارة الحكومة بمفرده، فضلاً عن كلام الحريري بأنّه لا يؤمّن إسناد حقيبتي الداخلية والعدل للفريق الرئاسي خوفاً من أن يقوم بسجنه، بات انعقاد لقاء المصالحة والمصارحة بين عون والحريري الذي دعا إليه الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، كونهما شريكين في عملية تأليف الحكومة، أصعب بكثير من السابق. كما أصبحت ولادة الحكومة غير محكومة بالتغييرات الدولية والإقليمية، وباستلام الرئيس الأميركي جو بايدن مقاليد السلطة في البيت الأبيض في 20 كانون الثاني الجاري.

ويبدو أنّ فقدان الثقة الكامل بين عون والحريري، وبين الحريري وباسيل، على ما أكّدت مصادر سياسية مطّلعة هو السبب الأساسي الذي يُعيق تأليف الحكومة حالياً. ويتجلّى فقدان الثقة هذا من خلال المواقف التي تتخذ من قبل الفريقين من خلال البيانات والردود المضادة عبر وسائل التواصل الإجتماعي. غير أنّ هذا الأمر لا يجب أن يوصل البلاد الى الحائط المسدود في ظلّ وضع وباء «كورونا» الكارثي الذي يُضاف الى الوضع الإقتصادي والنقدي المنهار. فما حصل رغم فداحته، لا يُوازي عبارة «الـ وان وي تيكيت» الشهيرة التي استخدمها عون في فترة سابقة لسفر الحريري من لبنان من دون رجعة، ولا يتخطّى مسألة استقالة حكومته في العام 2011 لحظة اجتماعه بالرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض من قبل وزراء المعارضة آنذاك.

ولهذا تعتبر المصادر، أنّ إصلاح الأمور بين عون والحريري لا يزال ممكناً في حال قرّر الرجلان تحمّل المسؤولية من خلال تقديم التضحية والتنازلات من قبل كلّ من الطرفين لإنقاذ البلد. فالظروف المنهارة على جميع الصعد لا بدّ وأن تفرض نفسها على القرارات الأحادية التي تعمل على إعاقة مسألة استعادة الثقة فيما بينهما وتُعرقل بالتالي ولادة الحكومة. فإذا قرّر عون والحريري وضع كلّ ما جرى خلفهما، وفتح صفحة جديدة بينهما، فبإمكانهما عقد اجتماع ما أو خلوة تهدف الى التوافق على تشكيل حكومة الإنقاذ، وتحقيق ما يُطالب به الشعب لمساعدته على الخروج من الأزمات التي يُعانيها، فضلاً عن المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي الذي يودّ رؤية حكومة فاعلة لكي يقوم بتقديم يدّ المساعدة لها.

وقالت المصادر، انّه في حال عدم حصول اللقاء، فبإمكان عون قبول التشكيلة التي قدّمها الحريري له، ولتسقط في مجلس النوّاب إذا لم تكن على قدر التوقّعات، وهكذا لا تبقى ورقة التكليف في جيب الحريري. أمّا الأمور السائدة حالياً فتجعلها في جيبه الى أجل غير مسمّى، وقد تبقى الى ما بعد انتهاء عهد الرئيس عون. فبحسب السيناريو المتوقّع، فإنّ الإستحقاق الرئاسي لن يحصل في موعده في العام 2022 ما سيُدخل البلاد في الفراغ والفوضى، ولهذا يريد الحريري أن يُشكّل حكومة تستمر الى هذه الفترة، ويتمكّن من السيطرة عليها. وهذا ما يجعله يتمسّك بتسمية الوزراء المسيحيين ويصرّ على إسناد بعض الحقائب لهذه الجهة أو تلك.

ولكن في عدم حصول هذا الأمر أيضاً فمن غير الممكن أنّ تبقى الفترة حتى انتهاء عهد عون من دون حكومة بسبب الكباش السياسي الحاصل اليوم والذي قد يطول كثيراً، بحسب المعطيات. لهذا تجد المصادر نفسها أنّ الحلّ المتبقّي أمام المسؤولين الذين لا يعيرون أي أهمية لمسألة إنقاذ البلاد، هو تفعيل حكومة تصريف الأعمال الحالية. فمرسوم استقالة حكومة الرئيس حسّان دياب لم يصدر بعد، ويصدر عادة مباشرة قبل إعلان مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة. ومع تأخير تشكيل الحكومة المنتظرة، فبإمكان دياب استعادة زمام الأمور في هذه الفترة التي تحتاج الى إنقاذ فعلي ودعوة حكومته للإجتماع واتخاذ القرارات التي من شأنها تقديم المساعدة اللازمة للشعب.

أمّا الإستمرار بالتحدّي من قبل هذا الفريق أو ذاك، فسوف يزيد من غرق البلاد أكثر فأكثر، تقول المصادر، علماً بأنّ التسوية الرئاسية قد قرّبت وجهات النظر بين عون والحريري في فترة من الفترات، وكادت الأمور تسير في الإتجاه الصحيح. ولا يُمكن بالتالي ترك البلاد تعيش الفراغ الحكومي في ظلّ حكومة تصريف أعمال من جهة، وتكليف رئيس الحكومة المقبلة من جهة ثانية، في انتظار الفراغ الرئاسي الذي سيحصل بعد انتهاء عهد عون.

كذلك فإنّ الجميع يعلم بأنّ الحريري لم يطرح نفسه لترؤس الحكومة لكي يعتذر، الأمر الذي يجعله مسؤولاً عن استخدام ورقة التكليف في تشكيل الحكومة القادرة على إستنهاض البلاد من أزماتها مجدّداً، وليس إبقاء هذه الورقة في جيبه. في الوقت نفسه، فإنّ عون الذي كلّف الحريري ان يقوم بالتفتيش عن بديل له، بل على التوافق معه على الحكومة المنتظرة من خلال التقريب في وجهات النظر بعد أن تأكّد عدم تمسّكه بالثلث المعطّل أو الضامن.

ولهذا فإنّ التصلّب بالمواقف لن يؤدّي الى نتيجة إيجابية لمصلحة أي فريق سياسي، بحسب المصادر، الأمر الذي يجعل البطريرك الراعي يتمسّك بمواصلة جهوده، من أجل جمع عون والحريري بهدف تشكيل الحكومة الإنقاذية التي هي أكثر ما يحتاجها البلد حالياً في ظلّ تجميد الحكومة المستقيلة عملها... علماً بأنّه ليس لدى الراعي أي سلطة فعلية إنّما بإمكانه أن «يمون» على الرجلين انطلاقاً من أنّ الكارثة التي تُهدّد البلاد لا يُمكن تركها تستمرّ، بل يجب السعي من أجل وضع حدّ لها من خلال التوافق على حكومة إنقاذية.