أيها المواطن هل يجب أن تطمئن؟

لا يخفى على أحد أن ارتفاع نسبة الجريمة في لبنان بات واضحاً جداً وهو آخذ بالارتفاع بشكل هستيري.إن الأسباب الكامنة وراء الجريمة تتنوع ما بين الفقر والحرمان والبطالة؛ فوجود نظام قضائي غير عادل.

من سوء حظ لبنان أن هذه الأسباب مجتمعة ومتواجدة بعمق داخل المجتمع وعلى امتداد مساحة الوطن!

منذ انطلاق التحركات الشعبية في تشرين الاول 2019 وما رافقها من انهيار القدرة الشرائية لليرة اللبنانية وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت، شهد لبنان الكثير من الاضطرابات الأمنية والاقتصادية التي ساهمت بشكل كبير في ازدياد نسبة الاشخاص مِن الذين هم دون الخط الأدنى للفقر.

بالتالي توسعت دائرة التهميش والحرمان والانفلات داخل المناطق وفئات المجتمع اللبناني كافة مع انحسار شبه تام للطبقة الوسطى، الأمر الذي هدّد السلم المجتمعي وانعكس ارتفاعا مخيفاً في نسب الجرائم، وتحديداً تلك التي تتعلق بسرقة المواد الغذائية، الأدوية الطبية، حليب الأطفال، والحفاضات.

 أسباب كثيرة والنتيجة واحدة

وفق لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 55% من سكان البلاد محاصرون الآن في براثن الفقر ويكافحون من أجل الضروريات، أي ضعف معدل العام 2019 الذي كان 28%. سجل الفقر المدقع زيادة قدرها ثلاثة أضعاف من 8% في عام 2019 إلى 23% في عام 2020.

من ناحية أخرى تشير دراسة لشركة «إنفو برو» أن خُمس المؤسسات والشركات العاملة في لبنان اغلقت بشكل مؤقت أو تام منذ نهاية 2019 وحتى الاشهر الخمس الاولى من 2020.

هذا الأمر رفع من نسبة العاطلين عن العمل إلى حوالي 550 ألف شخص وهو ما يعادل ثلث إجمالي القوى العاملة البالغ 1.8 مليون.

350 ألف وظيفة فُقدت منذ بداية الركود الاقتصادي، مما زاد من عدد العاطلين عن العمل قبل الركودالبالغ 200 ألف.

وفي الأسباب الأخرى، يلعب ضعف القضاء وغياب العدل دوراً محورياً في ازدياد نسب الجرائم خصوصاً مع عدم تمكن الدولة في الكثير من الأحيان من إلقاء القبض على السارقين أو المجرمين وفرارهم من دون عقاب.

أضف إلى ذلك، نظرة المجتمع اللبناني إلى الدولة ككيان فقد جزء كبير من هيبته مع تفشي الفساد والمحسوبيات على مستوى مسؤولين كبار وموظفين من الفئة الأولى، وحتى أفراد وضباط داخل الأجهزة الأمنية كما تبين مؤخراً.

74.4% هي نسبة ارتفاع جرائم القتل في لبنان في الشهور الخمسة الأولى من العام المنصرم مقارنة مع الشهور نفسها من العام 2019.

نسبة مرتفعة جداً، وجديدة، وفق أرقام نشرت سابقًا بالاستناد الى معلومات من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. أما جرائم السلب (دون سلب سيارات)، فقد ارتفعت بنسبة 41.3%وجرائم السرقة الموصوفة، ارتفعت بنسبة 32.7%.

حوادث وكأنها من أفلام هوليوودية! 

تشرح سعاد. ز. ما حصل معها للديار عندما كانت عائدة من عملها ليلاً على طريق منطقة جدرا الساحلية وتقول:

«كما جرت العادة أعود من عملي عندما يكون الدوام ليلي مع سائق اجرة سبق واتفقت معه على خدمة التوصيل. في طريق العودة، لاحظ السائق دراجة نارية على متنها شابين خلف السيارة، حاول تضليلهما ولكنهما أصرا على ملاحقتنا.

بعد ذلك رميا بأنفسهما أمام السائق وادعا أنه قام بدهسهما، توقف السائق للاطمئنان وترجل من السيارة ليقوما بشهر سكين بوجهه مطالبين إياه بإعطائهما كل ما يملك. لم يحاول مقاومتهما لأنه خاف حياته، وأنا لم أحاول الهرب لأنني تيقنت أنهما ينويان السرقة وأنهما قد يلحقان بي الأذى إذا ما حاولت الفرار. بالفعل اعطاهم السائق محفظته بعدها قام أحدهما بالتوجه إلي وطلب مني أن أقوم بالمثل. قمت بإعطائه حقيبتي وعندما سرق المال وعلبة السجائر رماها وفراا مسرعين. لم أعد أشعر بالأمان في بلدي وفي منطقتي وهذا أسوأ ما يمكن للإنسان أن يشعر به».

على خلاف ما حصل مع سعاد والسائق، يروي محمد ر. كيف تمكن من ضرب شاب حاول سرقة المال منه أثناء عمله على مكنة القهوة التي يملكها وقت الفجر. يقول محمد: «أعرف هؤلاء جيداً، يسرقون المال من كافة المحلات في المنطقة مقابل شرائهم سجائر وكحول، انهم عاطلون عن العمل ويمضون أوقاتهم في الشارع دون أن يتم القبض عليهم لأن أحد لم يتقدم بشكوى أو يولي الأمر أهمية. إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه من فلتان وعدم أمان،فإنني أفكر جدياً باقتناء سلاح للدفاع عن نفسي وعما أملك، خصوصاً أن أحداً لا يهتم بأرزاق المواطنين ولا حتى بأبسط حقوقهم».

 ماذا يقول الطب النفسي في سيكولوجية المجرم وماذا عن دوره في المعالجة؟

في سياق متصل تقول الدكتورة والمعالجة النفسية تاتيانا نصار الحائزة على دكتوراه في علم النفس الجنائي، إن دوافع الجريمة كثيرة ومتعددة ولعل أبرزها يتلخص في عشرة أسباب رئيسية.

بدايةً أن يولد الشخص ويعيش في بيئة فقيرة،تليها ضغوطات المحيط في حال كان الشخص يعيش في بيئة تسيطر عليها الجريمة. أضف إلى ذلك تعاطي المخدرات، البحث عن القوة السلطة، التعصب الديني المذهبي، أسباب سياسية، ظروف العائلة الصغرى التي ينشأ بها الشخص، المجتمع ونظرته إلى المال وكيفية نشر هذه الثقافة، البطالة، والحرمان من الحقوق والخدمات الأساسية الذي قد يؤدي إلى توجهات ثورية والتي قد تأخذ منحى عنيف قد يصل حد الجنحة والجناية. ختاماً ان غياب القانون والنظام القضائي غير العادل يدفع بالأشخاص للسعي إلى الحصول على حقهم بيدهم بما يزيد من إحتمالية حصول الجريمة.

عن الطريقة الأمثل للتعامل مع المجرم بعد إلقاء القبض عليه لتفادي تحويله إلى شخص أكثر إجراماً، تقول الدكتورة نصار أن معظم الأشخاص بعد دخولهم إلى السجن يعانون من متلازمة ما بعد السجن والتي تسبب لهم نوبات هلع، إكتئاب، هلوسات، قلق، والعديد من المشاكل النفسية المشابهة. إن غياب الحاجات الأساسية وأنماط التنمّر المنتشر بكثرة داخل السجون بالإضافة إلى شبه غياب تام للعلاج النفسي للسجناء، يؤدي إلى تفاقم هذه المتلازمة والتي قد تستمر إلى ما بعد الخروج من السجن.

الخطير في الأمر أن عدم ايلاء الوضع النفسي الأهمية المطلوبة يتسبب بخروج أشخاص من السجن ذات ميول أكبر للجريمة. هناك العديد من الأبحاث العالمية التي اظهرت أن 40 الى 45 في المئة من الخارجين من السجن من غير علاج نفسي عادوا بعد أقل من عام إلى السجن مجدداً.

في ما يمكن للطب النفسي تقديمه في مجال محاربة الجريمة، تشدد الدكتورة نصار على تقنيّتين اساسيّتين للعلاج داخل السجن وهما العلاج السلوكي المعرفي والعلاج السلوكي الجدلي، حيث يمكن إدراج المحكومين في نشاطات إجتماعية محددة أو إعطائهم مسؤوليات معينة حسب قدراتهم ونسبة مشاركتهم.

بمعنى آخر اعطائهم مهارات إجتماعية كالتعاطف والتضامن والتواصل من جهة، ومهارات عملية من جهة أخرى.

بإختصار لا يمكننا كطب نفسي إيقاف الجريمة ولكن يمكننا المساهمة في الحد منها من خلال التربية النفسية التي تمكننا إلى التعرف على المظاهر المشتركة لدى المجرمين والتنبه لها إذا ما ظهرت على احدهمعبرتوجيه الأشخاص إلى المراكز المختصة لمعالجة هذه المظاهر من بدايتها للتقليل من إحتمالية حدوث الجريمة.

ختاماً لا يمكن القول سوى أن الدولة مطالبة ببسط سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية على حد سواء والضرب بيد من حديد لمواجهة هذه الأفة التي تهدد السلم الأهلي والمجتمعي. من ناحية أخرى الدولة مطالبة أيضاً بتعزيز وتدعيم دور قوى الأمن الداخلي وبإدخال التقنيات الحديثة التي تمكن هذا الجهاز من التحرك بشكل أسرع وبفعالية أكبر مع موارد البشرية ومالية أقل كما هو الحال في البلدان المتقدمة. ما هي هذه التقنيات؟ وكيف تعمل؟ سوف نعالج ذلك في مقالات أخرى.