كلّف ماكرون القيام بمحاولة جديدة.. والمساعدات العسكرية للجيش اللبناني لن تتوقّف


ينتظر الشعب اللبناني ولادة الحكومة الجديدة علّها تتمكّن من إيجاد الحلول الناجعة للأزمة الإقتصادية والمعيشية والمالية التي يعاني منها والتي تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم في ظلّ تفشّي وباء «كورونا» واعتماد سياسة الإقفال العام في البلاد للحدّ قدر الإمكان من انتشاره. وإذا كان البعض يعوّل على دخول الرئيس الأميركي جو بايدن البيت الأبيض لتحريك الجمود الحاصل على صعيد تأليف الحكومة في لبنان، فإنّ اتصال بايدن بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإعادة تكليفه الإهتمام بمنطقة الشرق الأوسط بما فيها لبنان من ضمن العناوين التي جرى التطرّق إليها بينهما خلال الإتصال، يطرح إمكانية تحرّك ماكرون مُجدّداً باتجاه لبنان لتسريع تشكيل الحكومة..

تقول أوساط ديبلوماسية عليمة جدّاً بأنّ الحدّ من تفشّي وباء «كورونا» يُعتبر الأولوية القصوى بالنسبة لبايدن وإدارته حالياً لأنّها مقياس نجاحه سيما وأنّ أكبر نسبة إصابات ووفيات موجودة في الولايات المتحدة الأميركية، ويودّ إظهار نجاحاً في هذا الأمر خلال المئة يوم الأولى من رئاسته. لكنّه سيحاول في الوقت نفسه السير بطريقة متوازية بين الداخل والخارج، أي أنّه لن يُهمل السياسة الخارجية والمشاكل القائمة في منطقة الشرق الأوسط. ولهذا فإنّ مسألة نظر إدارة بايدن بموضوع تشكيل الحكومة والوضع الداخلي في لبنان يبقى ضمن اهتمامات الولايات المتحدة ومصالحها الخارجية لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. فصحيح بأنّ الملف اللبناني ليس على طاولة بايدن حالياً، غير أنّه ليس من آخر اهتماماته، على ما يعتقد البعض، سيما وأنّ حليفته «إسرائيل» هي التي تُحرّك اهتمامات أميركا بدول المنطقة وملفاتها لتحقيق مصالحها أولاً، ولا سيما في لبنان، خصوصاً وأنّها تودّ إعادة تحريك ملف ترسيم الحدود للتمكّن من استكمال عمليات التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة القريبة من المساحة المتنازع عليها بينها وبين لبنان.

وأوضحت بأنّ الضغط على إيران وعلى «حزب الله» ضمناً لن يتوقّف فجأة بل سيستمرّ، خصوصاً وانّ إدارة بايدن ستبدأ من حيث توقّفت إدارة الرئيس السلف دونالد ترامب كونه لا يستطيع تجاهل واقع الأمور، فيما يتعلّق بالضغوطات القصوى التي فرضتها على إيران ومن ضمنها العقوبات على الحزب وحلفائه. علماً بأنّ لبنان ليس معنيّاً بشكل مباشر بالعقوبات الأميركية بل هو ضحيّة الضغوطات على إيران وعلى الحزب نظراً لارتباطه بها... ولكن الأساليب سوف تتغيّر سيما وأنّ ثمّة إرادة من قبل الإدارة الأميركية الجديدة بإعادة التواصل مع إيران. ولهذا يُنتظر من إدارة بايدن التي تمتلك النوايا المُعلنة للعودة الى الإتفاق النووي مع إيران، أن تُقدّم خطوات عملية على الأرض فترفع عدداً من العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على إيران وعلى كلّ الذين يرتبطون بها بما فيهم «حزب الله» في لبنان، لكي تُظهر عن محاولة للقيام بخطوات جديدة تجاه إيران التي تريد بدورها عودة الولايات المتحدة الى هذا الإتفاق. أمّا في حال استمرّت بتنفيذ العقوبات واتخذتها كورقة ضغط جديدة على إيران، فمن الصعب الحديث عندها عن التوصّل الى اتفاق جديد بينهما أو إعادة إحياء الإتفاق النووي.

أكّدت أنّه في الوقت نفسه، من المهم الإشارة الى أنّ بقاء الجيش اللبناني ممسكاً بزمام الأمور هو من الأمور التي لن تتخلّى عنها إدارة بايدن، على عكس ما أوحى البعض، لهذا فإنّ إدارته ستستكمل تسليح الجيش كما في السابق، مشيرة الى أنّ كلّ التوصيات التي حُكي عنها لوقف المساعدات للمؤسسة العسكرية ليست صحيحة. كذلك فإنّ إدارة بايــدن التي لن تتخلّى أو تتراجع عن العقوبات التي وضعها ترامب، على ما تُنادي به طهران، إلاّ مقابل حصولها على ثمن ما على طاولة المفاوضات، إلاّ أنّها لن تضع عقوبات جديدة أو إضافية على إيران وعلى «حزب الله»، وهذه نقطة إيجابية تصبّ في مصلحة لبنان.

أمّا فسحة الأمل التي على المسؤولين اللبنانيين التمسّك بها اليوم والإستفادة منها فتبدأ، بحسب المعلومات، من إطلاق يدّ الرئيس الفرنسي في لبنان ضمن دائرة أوسع من المحاولة الأولى. ولكن إذا بقيوا يعملون ضمن سياسة الحروب الداخلية فلن يتمكّن ماكرون من إحراز اي تقدّم. وذكّرت بأنّه عندما جرى احتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري في الرياض وأُرغم على تقديم استقالته من هناك، سارع الرئيس ماكرون الى الضغط على السعودية لإطلاق سراحه، وكان من نتائج هذه الحادثة أن اجتمعت الحكومة بعذ ذلك، واتخذت قراراً باعتماد مبدأ الحياد والنأي بالنفس عن صراعات المنطقة، وذلك بناء على الطلب الفرنسي.

من هنا، إذا أراد المسؤولون اليوم حصول التغيير والإستفادة من الظروف الملائمة، فالفرصة متاحة أمامهم. والتوافق الداخلي من شأنه التسريع في تشكيل الحكومة، على ما أشارت، سيما وأن انتــظار جلوس كلّ من واشنطن وطهران على طاولة المفاوضات سيطول، خصوصاً وأنّ بايدن ومسؤولو إدارته صرّحوا بأنّهم مع العودة الى الإتفاق النووي ولكن ليس بأي ثمن، أي أنّهم ليسوا على عجلة كونهم يريدون القيام بمفاوضات جديدة، كما أنّ هذه المفاوضات لن تكون بالسهولة التي يتوقّعها البعض. وفرنسا جاهزة لمدّ يد المساعدة مُجدّداً، ولكن ثمّة جهد داخلي لا بدّ وأن يُبذل، والتزامات جديّة يجب أن تتخذ في الداخل للحصول على مساعدة دول الخارج. أمّا التغيير فمطلوب من الطرفين الداخليين المتصارعين حالياً.

ولكن إذا كنا في لبنان ننتظر حلاً سحرياً أو سريعاً للمفاوضات الأميركية- الإيرانية، على ما أضافت، لتشكيل الحكومة فإنّ هذا الأمر لن يحصل حالياً، ولن يكون ممكناً قبل أشهر من الآن. ولهذا فإنّ الجمود سيبقى عنوان المرحلة المقـــبلة في لبنان، ما لم يعمل الأفرقاء في الداخل على تحريك مسار تأليف الحكومة انطلاقاً من تحقيق مصــلحة لبنان وشعبه. وبالإمكان تشكيل الحكومة المنتظرة عن طريق الإتفاق الداخلي لأنّ انتظار التسويات الخارجية سيطول، وستكون هذه الأخيرة صعبة.