قد لا يكون أمام الحكومة ومجلس الدفاع الأعلى خيار سوى الإقفال التام لمواجهة جائحة كورونا اسوةً بمعظم بلاد العالم، ولكن للبنان خصائص وظروف تكاد لا توجد مجتمعةً في أي بلد في العالم.

إنهيار للعملة الوطنية، إرتفاع جنوني للدولار، إعتماد شبه كامل على الإستيراد بدلاً من الإنتاج، إحتكار من التجار، تلاعب بالدعم القليل الذي تقدمه الدولة، تهريب المواد المدعومة وغير المدعومة، إرتفاع معدلات الجرائم، جمود سياسي وغياب أي حلول، ومرض فتاك تغلغل في مفاصل وأطراف الوطن أجمع.

فأين هم الضعاف والمستضعفين من كل ما يجري؟ من لهم من نصير ووكيل أمام هكذا تدهور وإجحاف؟

هؤلاء الضعاف هم أصحاب المهن الصغرى، أصحاب الزوايا العتيقة في كل مدينة وقرية، نراهم يومياً كجزء من روتيننا، ولكن هل فكرنا يوماً كيف ستبدو حياتنا بدونهم؟ انهم السمان والفران واللحم وسائق الاجرة وبائع الخضار والحلاق والخياط ...

انهم ضحايا هذا النظام بفساده وسوء إدارته منذ الأزل، فمهنهم اليوم مهددة بالإنقراض، ومحلاتهم الصغرى مهددة بالإقفال، وهم ومن يرعون مهددين بالجوع والفقر المدقع.

فعلى خطى القطاع العام، مشى القطاع الخاص، ولم تكن المصارف يوماً في صف المستثمرين الصغار، ولم تدعم المشاريع الصغرى عبر توفير قروض وتسهيلات وفوائد مخفضة، مما أدى إلى قيام هذه المشاريع على ارضيات غير ذو ثبات بالاعتماد إما على الاستدانة وإما على دعم محدود من أحد الأقارب الموجودين في الخارج. هذه المصارف بنت نجاحها الفارغ فعلياً على إقتصاد ريعي فاشل إشترك مع الدولة في جرنا نحو جهنم التي نعيش فيها اليوم.

«الديار» تسأل أصحاب المهن الصغيرة عن واقعهم وكيف يمضون أيامهم...

أبو وسيم الدكنجي، رجل خمسيني إستأجر دكان سمانة صغير ليكمل تعليم ابنائه الإثنين بعد زواج ابنته وسفرها. زوجته ربة منزل، تنضم إليه في وقت العصر ليشربا الشاي سوياً ويلبيا طلبات الزبائن متقاسمين العمل في ما بينهما. أبو وسيم لا يملك ضمان صحي ولا ضمان شيخوخة ولا تأمين صحي أو تأمين على الحياة. أولاده، 13 و15 عام يذهبون إلى مدرسة رسمية.

«كانت الحياة رتيبة ولكن كانت أيضاً جيدة» يقول أبو وسيم واصفاً حياته اليومية العادية قبل جائحة كورونا وقرارات الاقفال العام المتتالية. «عشرون يوماً من الاقفال العام كانت كفيلة بأن يتدهور وضعنا المادي إلى الدرك الأسفل» يشكو أبو وسيم بثه مغرورق العينين. «شوفي الرفوف، شوفي تاريخ إنتهاء صلاحية البضاعة، شهرين ثلاثة وبكبا .. بتبطل صالحة» هكذا يصف الدكنجي المتواضع كساد البضاعة في دكانه الصغير بسبب الغياب الشبه تام للزبائن، وعدم قدرته على استئجار شاب لخدمة الدليفري أثناء الحجر، فإنتهى به المطاف بائعاً لخمس أو ست ربطات خبز والقليل من السكاكر والمعلبات المتفرقة لجيرانه.

يقول أبو وسيم: «أعلم أنهم يشترون مني كنوع من الدعم المادي والمعنوي، مشكورين، و لكنني أعي جيداً أن الإستمرارية لن تكون بهذا الشكل وحتى بعد الاقفال لن أكون بوضع جيد يسمح لي بتسديد الإيجار وشراء بضاعة جديدة وسد حاجات المنزل اليومية مع الغلاء الفاحش».

مثال بسيط عن مقارنة بين ما كان ينتجه أبو وسيم يومياً وما أصبح عليه اليوم يقول: «كانت يوميتنا من 100 إلى 150 ألف ليرة لبنانية بأحسن الأحوال، وهلق اليوم الأكثر إنتاجية بطلع 60 ألف أكتر من نصن حق بضاعة»

وعما كان يجب على الدولة تقديمه للعائلات الأكثر عوزاً في فترة الاقفال، يضحك أبو وسيم مطولاً ثم يقول: «خلص الحجر وشحدنا اللقمة وبعدن ما إتفقوا إذا بيعطوا 200 أو 400 ألف وضايعين باللوائح المزورة والمكفشلي، هي دوله هي؟ والله لو عايشين بالغربه ما كنا حندوق هالأسى كله»

أبو وسيم مثال بسيط عن ضحايا سلطة فاسدة بقراراتها السياسية والإدارية، سلطة لم يكن ضمن مصممي سياستها الإجتماعية والمالية يوماً ما رجل رشيد. هذه السلطة التي ما استطاعت أبداً أن تحمي الطبقة الوسطى، صمام الأمان الاجتماعي، لا بل هي من دمرتها، سوف تكون حتماً قادرة على محو الطبقة الفقيرة والامعان فيها فقراً وذلاً وقهراً.