ليس هينا ان يختزن رجل في شخصيته موسوعات سياسية، ثقافية، دينية، اجتماعية..

وليس هينا ان يختزل رجل في شخصه قدرات التخاطب الراقي واللغة الحضارية، واتقان فن السياسة باخلاقية منقطعة النظير..

جان عبيد عرفه الشماليون بكل عائلاتهم..حيث ترك بصمات في عكار التي يحفظ قراها وبلداتها وعائلاتها فكان موسوعة عكارية اجتماعية بكل معنى الكلمة..

يندر الرجل على مثال جان عبيد الذي لطالما يزور بيوت العكاريين حتى انه خلال زيارته حين يصادف لاعب طاولة زهر كان الشريك في اللعبة الماهر فيها، او صادف من يلعب «المنقلة» وهي لعبة قروية قديمة في عكار تكاد تندثر كان الحاضر الخبير فيها ويتحدى امهر اللاعبين فيها..

العكاريون يتذكرون جان عبيد، على انه الرجل القريب من الناس، وكما تمنى العكاريون أن يكون النائب والوزير السابق مخايل ضاهر رئيسا للجمهورية، كانوا دائما يتمنون ان يكون جان عبيد رئيسا للجمهورية..

لطالما كانت الحوارات تدور في المجالس العكارية حين يتحدثون عن موقع رئاسة الجمهورية كان الحاضر البارز منذ سنوات خلت اسم مخايل ضاهر واسم جان عبيد، لان البلاد برأي معظم الاوساط انها تحتاج الى رجل من وزن هؤلاء القامات الوطنية المشحونة بالثقافة الوطنية والقومية وبنبذهم للطائفية والمذهبية..

اتذكر الراحل جان عبيد حين خاض انتخابات العام 1992، مرشحا عن المقعد الماروني في طرابلس، حدثني حينها متمنيا الفوز للمرشح الوطني والقومي الكبير صاحب الكلمة الحرة بأمتياز شارل أيوب الذي ترشح عن المقعد الماروني في البترون وقد فاز حينها الاستاذ شارل أيوب لكن أسقط في ليل حالك..فابدى الراحل جان عبيد حزنا عميقا معتبرا ان الندوة البرلمانية خسرت صوتا من وزن الرجال الكبار شارل أيوب، وحينها ألمح الى من اسقطوه عمدا..

وحين ترشح العام 1996 نافسه بكل فروسية الاستاذ شارل أيوب عن المقعد الماروني في طرابلس، وكانت المنافسة حضارية بأمتياز رفض خلالها الاستاذ شارل أيوب استعمال اوراق جاء بها بعض خصوم الراحل جان عبيد لتوظيفها في المعركة الانتخابية، فكاد رد الاستاذ شارل أيوب على مستوى عال جدا من الاخلاقية والرقي: جان عبيد صديق وقامة وطنية ولتكن المنافسة رياضية اخلاقية..

هذا الموقف لاقاه الراحل الكبير وكان على يقين ان قامة شارل ايوب هي قامة وطنية يحتاجها مجلسنا النيابي، وفوزه هو فوز لي، وفوزي هو فوز له...

مواقف عديدة خبرتها خلال معرفتي منذ سنوات بالراحل الكبير جان عبيد جعلتني ارى فيه الرجل الذي يتخطى لبنانيته الى عروبة مشرقية متجذرة في تاريخ المشرق العربي المضيء ولطالما كان وزير خارجية المملكة العربية السعودية الاسبق الراحل سعود الفيصل يردد كلما التقى بعبيد: «اهلا بحكيم وزراء خارجية العرب»..

العكاريون كما الشماليون كما الاوساط اللبنانية كافة يتلمسون فداحة الخسارة الوطنية في هذا الظرف العصيب الذي يمر به الوطن ويفتقدون الرجل الحكيم صاحب القلب الكبير الذي رحل قبل ان يتوج لبنان برئاسته..كل العزاء للسيدة لبنى ولانجاله ولاشقائه والرحمة له..