تصاعدتْ في السنوات الأخيرة موجة من المزايدات حول اللبننة بلغتْ حدّ العنصرية ، وتجاوزتْ مغالاة الشاعر الكبير الراحل سعيد عقل. لكنّ المشكلة في تلك اللبننة المصطنعة التي تتستّر بالدين أنها ترجمة لثقافة سياسية وطائفية مغلقة لا ترى إلا من خلال منظورها اللبناني المزعوم، ولا تقتنع سوى بما يروي غليلها حول المآثر اللبنانية والفرادة «الفينيقية» وأسطورة الإستعداد لطحن الصخور والإكتفاء بمردودها، من دون أن ننسى بأن الفينيقيين لم ينحصروا في لبنان بل امتدوا على طول الشاطئ الفينيقي الكنعاني من فلسطين إلى اللاذقية، مروراً بصور وصيدا وجبيل وسائر الحواضر الفينيقية التي وصلت إلى قرطاجة.

وفي بلدٍ كلبنان يتنفس الحرية وينحاز إلى الديمقراطية ، يتسع المجال لبعض الإنتهازيين المصطادين في الماء العكِر. فالماء أصلاً عكّرتْه زجليات النفاق السياسي المتأتي من البُعد عن الينابيع ، والهبوط من القِمم إلى السفوح . لذلك قال رئيس الحكومة الأسبق الدكتور سليم الحص في تعليق له مُوَفق «إن في لبنان كثيراً من الحرية وقليلاً من الديمقراطية». وبديهي أن الديمقراطية ليست فقط صندوقاً للإقتراع أو تداولاً للسلطة. إنها قبل كل ذلك مسؤولية الإنسان في الإضطلاع بتبِعَة الحرية بوصفها قيمة عليا. إنها ثقافة ديمقراطية وأخلاق ديمقراطية، بل هي مناخ يحَفز الإبداع. وكل ذلك مَحَكّه الممارسة العملية والتجسيد الأمثل، وإلا كانت الديمقراطية مزحة سمجة غير قابلة للتصديق.

ألا ينبري أمام أنظارنا وعلى أسماعنا سياسيون وإعلاميون ومثقفون يوظفون المنابر المتاحة لهم في بروباغاندا مكشوفة وتسويق رخيص لِما نشأوا عليه من التعصب الزائغ والوعي الزائف؟ كأنْ يتهجم بعضهم على كاهنٍ أو مطرانٍ أو بطريرك لمجرد أنه لم يولد في لبنانهم، مصطَنعين أسباباً واهنة وحججاً واهية مع أن المسألة واضحة وضوح الشمس للعيون التي تريد أن تُبصر من غير أن يغشاها القذى. وهذه المسألة هي الخلفية الكيانية البالغة حَدّ العنصرية . إنها بصراحة دعوة إلى أن يكون الإكليروس المسيحي كله لبنانياً لا سورياً. وهي دعوة دخيلة على لاهوت الرسالة المسيحية المناقبية بفلسفتها، والإنسانية بمسكونيتها العابرة لقيود الجنسية واللون والعِرق والأحقاد والزمان والمكان.

هل يعتقد أولئك الناظرون إلى الأغوار الدينية بأفقهم الضيق أن السيد المسيح أو تلاميذه الإثنيْ عشر، على سبيل المثال، كانوا لبنانيين؟ أو أن فيلسوف المسيحية الأعمق القديس بولس- كان بدوره لبنانياً؟ أو أن يوحنا فم الذهب ويوحنا الدمشقي حصلا على الجنسية اللبنانية مثلاً أو سعيا إليها ؟ بل الأحرى أن نسأل: هل كان مار مارون من أقحاح اللبنانيين الذين أغرتهم الهوية اللبنانية ،أم أنه آمن وتعبّد وتنسّك فقط ليتبرر بالنعمة والمحبة الإلهية اللامحدودة؟ وهل قضت الحكمة الإلهية بأن تكون أنطاكية على مدى القرون مركزاً للكراسي البطريركية في كنائس المشرق المارونية والكاثوليكية والأرثوذكسية والسريانية ، لأنها شاءت لنا اختناقاً حصرياً بين بكركي والربوة؟

كلمة أخيرة نوجهها للباحثين عن الإستئثار اللبناني بالمرجعية الدينية أو السلطة الكَنَسية: أُخرُجوا من التفكير الإستعلائي العنجهي لأنه تفكير مريضٌ وبغيض... أَشفِقوا على بلدكم الذي لم يعد أحد في الخارج يُشفق عليه لأنه صُنِّفَ دولة فاشلة... إرحموا أنفسكم وأهلكم قبل أن نصبح جميعاً مهجَّرين ومهاجرين.