تطبيق الدستور ومبدأ المناصفة يوصلان الى منتصف الطريق لولادة الحكومة


لا حكومة في المدى المنظور رغم كلّ ما نشهده من زيارات خارجية للرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري، ومن استمرار المشاورات الداخلية بين القادة السياسيين. فلا شيء تغيّر على الصعيد الخارجي، فصحيح أنّ الولايات المتحدّة الأميركية كلّفت فرنسا بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون العمل على حلّ الازمة الحكومية، غير أنّها في الوقت نفسه، لم تُبدّل رأيها فيما يتعلّق بحزب الله الذي لا تزال تعتبره «منظمّة إرهابية»، من وجهة نظرها، ولا تريده أن يكون داخل الحكومة الجديدة، أو أن يلعب دوراً فيها. كذلك فإنّ تصلّب كلّ من فريقي الصراع في الداخل، يبقى على حاله، والتصاريح الأخيرة من قبل هذا الفريق أو ذاك تؤكّد على أنّ لا تراجع من قبل أي منهما، ولا إمكانية لبناء الجسور لاستعادة الثقة فيما بينهما.

وترى مصادر سياسية مطّلعة بأنّنا لم نصل بعد الى الطريق المسدود بين الفريقين، إذ لا تزال هناك شعرة معاوية لرأب الصدع، إلاّ أنّ المشكلة تكمن في عدم وجود نيّة لدى أي فريق بالتنازل لمصلحة الوطن، رغم النصائح التي تأتيهما من الداخل والخارج عن وجوب تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية، وتقول المصادر، بأنّه إذا كانت واجبات الرئيس الحريري تطبيق الدستور لجهة الشراكة بينه وبين رئيس الجهمورية العماد ميشال عون في تشكيل الحكومة، ولجهة تطبيق المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، فليس عليه تمنين أحد بأنّه «أوقف العدّ»، سيما وأنّه جرى «اللعب بالعدّاد»، في وقت سابق، من خلال تجنيس 400 ألف سنّي وضمّهم الى سنّة لبنان ما جعل عددهم مليوناً.

كذلك فعندما يقول الرئيس عون بأنّه يختار أشخاص مستقلّين وغير تابعين له، فعلى الحريري الثقة بكلامه، سيما وأنّ خير دليل على ذلك باّنه سبق وان اختار وزيرة العدل ماري كلود نجم في حكومة الرئيس حسّان دياب، كوزيرة مستقلّة، وقد قدّمت استقالتها من دون العودة اليه حتى وإن كان من سمّاها. فاستعادة الثقة،تضيف المصادر، تأتي من خلال تغيير الأداء مع الفريق الرئاسي، كونه شريكاً أساسياً وفعلياً للرئيس المكلّف في التشكيل عبر الصلاحيات التي أعطاه إيّاها الدستور. فعندما يقدّم الثنائي الشيعي لائحة بأسماء وزرائها، ويفعل رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط كذلك، فيختار الحريري منها، يتبادل الحريري مع هذه الأطراف الثقة، فلماذا لا يفعل الأمر نفسه مع الرئيس عون، بدلاً من اقتراح 6 وزراء عليه مع وزارة الداخلية، والقول بأنّه سيعرض عليه 3 أسماء للـ«الداخلية» ليختار أحدها، فهل يحقّ للحريري تسمية الوزراء لكي يختار عون منها أم يجب حصول العكس، على غرار ما فعل مع الأطراف الأخرى؟ إذا بادر الحريري وقام بمثل هذا الأمر نكون قد وصلنا الى منتصف الطريق بالنسبة لولادة الحكومة.

وأكّدت المصادر، بأنّ عون مع حكومة إختصاصيين مستقلّين من غير الحزبيين، ومع مبدأ المداورة باستثناء وزارة المالية التي يتمسّك بها الثنائي الشيعي لحركة أمل، وقد وافق الحريري على المداورة وأعطى عون «الداخلية»، فلماذا يُصرّ على تسمية الوزراء؟ من هنا، فإنّ ما يعيد بناء عامل الثقة بين الرجلين هو تغيير الذهنية، بحسب رأي المصادر، والتعاطي مع رئيس الجمهورية من زاوية الشراكة الفعلية والثقة المتبادلة، وليس بطريقة مختلفة وأقلّ من الطريقة التي يتعامل بها مع الأفرقاء الآخرين كونهم حلفاء له.

وعن أنّ الوضع لا يسمح بتأخير تشكيل الحكومة خصوصاً وأنّ جميع الأزمات في البلد تتفاقم، وأن لا مساعدات من المجتمع الدولي للبنان من دون وجود حكومة جديدة، أوضحت المصادر نفسها بأنّ هذه الذريعة تهدف الى ليّ ذراع الرئيس عون والقبول بالأمر الواقع، لكن هذا الأمر لن ينجح. علماً بأنّه يُمكن فيه للمجتمع الدولي مساعدة لبنان على تحسين وضعه في ظلّ حكومة تصريف الأعمال الحالية، أو مساعدته فعلياً على تشكيل الحكومة من خلال التسهيل وعدم فرض الضغوطات ووضع الفيتوات على بعض الأفرقاء أمام مهمّة الرئيس المكلّف.

وأكّدت المصادر، بأنّه مع وجود عقلية الشراكة في التأليف، وتوصّل الحريري الى مقاربة الشراكة الحقيقية بعيداً عن استهداف مكوّن أساسي في البلد هو «تكتّل لبنان القوي»، وفريق رئيس الجمهورية تُصبح كلّ الأمور الأخرى ثانوية، خصوصاً وأنّ هذا الأمر سيعيد بناء الثقة بين الطرفين ويوصل الى تشكيل حكومة قريباً..

في الوقت نفسه، ثمّة من يؤكّد بأنّه إذا ما ضمّت الحكومة المنتظرة سياسيين تابعين للأحزاب، لا سيما حزب الله، على أنّهم مستقلّون، فإنّه لن يكون هناك أي دعم دولي وعربي لها.. ويقول العارفون في هذا السياق، بأنّ الولايات المتحدة الأميركية تُطالب بحكومة قويّة وقادرة على تلبية مطالب الشعب اللبناني الذي انتفض في 17 تشرين من العام الماضي، كما تعمل على تنفيذ الإصلاحات الإقتصادية والمالية المطلوبة منها. وفي الوقت نفسه، لا تزال متمسّكة بموقفها من حزب الله.كما أنّها لا تزال مصرّة على تشكيل حكومة لا يلعب فيها الحزب اي دور فاعل في المستقبل، وتعتمد على الرئيس ماكرون في هذا الأمر، رغم الإختلاف القائم في وجهات النظر. فالرئيس الفرنسي يجد بأنّ نوّاب الحزب منتخبون من الشعب، ولهذا فمن حقّه أن يتمثّل في الحكومة، إلاّ في حال غيّرت صناديق الإقتراع في الإنتخابات النيابية المقبلة هذه المسألة. غير أنّ الولايات المتحدة تقول بأنّ القرار يعود للشعب اللبناني في هذا الأمر، والجميع يعلم بأنّ سفارتها في لبنان حاولت توظيف الإنتفاضة الشعبية في وقت من الأوقات، لصالح أجندتها السياسية ومصالحها في لبنان والمنطقة. وجلّ ما تفعله اليوم هو مساعدة لبنان على الصعيد الإنساني والعسكري لمواجهة التحديّات جرّاء انفجار 4 آب، والتخفيف من انتشار وباء «كورونا» فيه.

ويقولون بأنّ الثورة الشعبية لو بقيت فعلاً بيد الشعب لكانت انتهت الى حصول تغيير حقيقي يحتاجه البلد لبناء دولة قوية وعصرية توحي بالثقة لشعبها. غير أنّ دخول الأحزاب على الخط هو الذي قلب المعادلة وخلق حالة من النفور، رغم أنّ مطالب الإنتفاضة كانت محقّة بنسبة كبيرة.