تقييم استخباري اوروبي يُحمّل واشنطن والرياض مسؤولية الفشل :

استراتيجية اضعاف حزب الله لم تنجح… وخسرنا الحريري وباسيل؟


في خلاصة تقييم استخباري اوروبي انجز قبل ايام، تحت عنوان حزب الله «اقوى او اضعف»، لم تكن النتائج مبشرة بعدما انتهت الخلاصات الى ان الانهيار الاقتصادي والاجتماعي وازدياد حالات الفقر بين اللبنانيين، والازمة السياسية في البلاد، ومحاولات عزل الحزب، لم تؤد الى اضعافه في بيئته، كما فشلت سياسة التحريض عبر تحميله مسؤولية تردي الاوضاع الاقتصادية في احداث النتائج المطلوبة، لان مجمل الطبقة السياسية متورطة بالفساد، وليس هناك من بدائل لتسويقها، وحتى عملية «شيطنته» باعتباره مسؤولا عن تغطية المفسدين، لم تنجح في احداث تغييرات يمكن التعويل عليها لاحداث «انقلاب» في المشهد السياسي الداخلي وتغيير المعادلات لصالح الاطراف المقربة من الغرب.    

ويحمل التقرير الذي اطلع عليه عدد من الدبلوماسيين في بيروت، الولايات المتحدة الاميركية والمملكة العربية السعودية مسؤولية مباشرة عن حالة الوهن والضعف لدى»خصوم» حزب الله بعدما ارتكبت الدولتان «خطايا» جسيمة في ادارة الازمة اللبنانية، ادت الى تعزيز موقع الحزب بدل اضعافه، ما جعله اليوم اكثر الاطراف قدرة على الصمود في ظل الاوضاع الخانقة التي تمر بها البلاد، بعدما تم «سد شرايين» النظام المالي الرسمي دون اجراء اي دراسة معمقة لطبيعة النظام المالي الخاص بحزب الله والذي يعمل خارج منظومة الدولة، وقد تبين ان»بيئة» حزب الله تبقى الاقل تضررا من الازمة المالية والاقتصادية. فالدولار «الفريش» لا يزال يتدفق من ايران عبر «شبكات معقدة» صعبة الاختراق، وتقليص الموازنة لم يؤثر كثيرا على الرواتب التي تم تحييدها عن اي خفض للنفقات التي طالت الكثير من الامور اللوجستية، وقد ورد في التقرير تعليق لافت استقاه كاتبه من مقابلات شخصية تمت ميدانيا ضمن البيئة الشيعية، ومفاده ان «الثورة» الحقيقية في بيئة حزب الله وعناصره، قد تبدأ فعليا، اذا ما استعادت الليرة اللبنانية عافيتها مقابل الدولار، وليس العكس!.

ولا يتوقف لوم واشنطن والرياض على سياستهما الخاطئة عند الشق المالي والاقتصادي، فبحسب التقرير لم يعد في لبنان جهة سياسية وازنة قادرة على خوض مواجهة جدية مع حزب الله بعدما عملت كلا الدولتين على اضعاف القوى الرئيسية في البلاد، دون ان تقدم بدائل جدية قادرة على حمل عبء صراع يحتاج الى مشروعية «طائفية» اولا، وقدرة تنظيمية ثانيا، وهما لا تتوفران في اي من قوى المجتمع المدني التي نبتت على ضفاف الحركة الاحتجاجية في لبنان والتي لم يتم التعامل معها على نحو سليم ما تسبب في «اجهاضها». كما ساهم تجاهل السعودية لحادثة انفجار المرفأ وعدم استغلال الموقف للعودة الى الساحة اللبنانية، باستمرار حالة الفراغ الداخلي الذي يواصل ملأه الفريق الاقوى، فيما ساهمت ادارة الرئيس دونالد ترامب في اجهاض المبادرة الفرنسية التي حاول من خلالها الرئيس ايمانويل ماكرون استغلال الحدث لاحداث توازن جديد «للعبة» في بيروت، لكن حسابات واشنطن «الانانية» «فرملت» الاندفاعة الفرنسية وادت الى استمرار «المراوحة» الحالية التي باتت عرضة لتجاذبات اقليمية ودولية غير مضمونة النتائج.  

ووفقا للتقرير، ارتكبت واشنطن في العام 2020 «فولا» سياسيا مماثلا للخطيئة التي ارتكبتها الرياض في العام 2017، فكما اضعف احتجاز رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري موقفه على الساحة اللبنانية، ودفعه اكثر للتفاهم مع حزب الله، تحت عنوان «ربط النزاع»، جاء فرض الادارة الاميركية عقوبات على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ليضعه في «احضان» الحزب على نحو كامل، وذلك على الرغم من انه سبق واطلق اشارات جدية تفيد برغبته «التمايز»، وربما اكثر، عن الحزب، لكن جرى التعامل بخفة مع «رسائله» المعلنة، والسرية، وبدل نسج تفاهمات معمقة معه جرى وضعه تحت الضغط وخيَر بين الخروج السريع والعلني من تحالفه مع حزب الله، مقابل «لا شيء»، او التعرض للعزلة الدولية، وقد حسمت نصائح الرئيس ميشال عون «لصهره» بعدم الركون لاي وعود دولية وخصوصا اميركية دون ضمانات محسوسة لتحسم خيارات «التيار» الذي اختار البقاء في «ظل» حليفه القوي وعدم الوقوف «عاريا» في مواجهة الجميع، بعدما بات على خصومة مع كل الاطراف السياسية في الداخل، ودون حلفاء اقليميين او دوليين.

ووفقا لخلاصات التقرير «خسرنا باسيل والحريري» معا، ولا توجد قوة وازنة يمكن الرهان عليها في المواجهة مع حزب الله، فالاختراق محدود للغاية ضمن الطائفة الشيعية، في غياب الشخصيات والاحزاب الوازنة القادرة على منافسة «الثنائي» الذي نجح في تنظيم الخلافات التكتيكية لصالح الابعاد الاستراتيجية في العلاقة التي جرى بلورتها في اعقاب الخروج السوري من لبنان وضعف الدولة المركزية السورية ما انعكس ضعفا على موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي عاد الى «حضن» طهران عبر حزب الله. سنيا يرفض الرئيس سعد الحريري الدخول بأي مواجهة غير متكافئة مع حزب الله، وبعد اعتقاله في السعودية تغير الرجل على نحو عميق وبات اكثر «نضجا» ولم يعد في وارد الدخول في اي مغامرات متهورة، وهو يرصد اليوم محاولات عزله ضمن بيئته من خلال الدخول «القوي» لشقيقه بهاء، ويجد ان معركته ضمن الطائفة لا خارجها. اما «الزعيم» الدرزي وليد جنبلاط فليس واردا لديه المغامرة بما تبقى من دور لطائفته، ولا يريد، وليس قادرا على تحمل وزر اي مواجهة غير مضمونة النتائج. وتاتي خسارة الرهان على «انقلاب» كان ممكنا للتيار الوطني الحر لتزيد من صعوبة الموقف، لان كل من تبقى من قوى اخرى في البلاد لا تستطيع احداث اي خرق جدي.

وامام هذه الخلاصات الاوروبية، لا تبدو المؤشرات مشجعة لـ»خصوم» حزب الله، خصوصا ان الحزب يستغل الموقف جيدا ويعمل على توزيع «عواطفه» على المتضررين من الاخطاء الاميركية والسعودية، وتحت شعار «الباب اللي بيجي منه ريح سده واستريح» يمد اليد الى الحريري المأزوم في علاقاته الخارجية والداخلية، ويحاول احتضانه من خلال منحه فرصة تشكيل الحكومة الجديدة، ولا يبخل بأي مساعدة وفقا للمتاح، كونه يبقى حتى اشعار آخر، الممثل الاكثر جدية في بيئته السنية، وقد انعكس ذلك انخفاضا في التوتر السني - الشيعي، بينما تدور المواجهة بين الحريري والعهد وفريقه السياسي. اما احتضان جبران باسيل والتيار الوطني الحر، فتحصيل حاصل للحليف المسيحي الذي حاول «التذاكي» من خلال اللعب على التناقضات فترك «اجر بالبور واخرى في الفلاحة» فجاءت النتائج «كارثية»، وبعد «قطع» رجله في واشنطن عاد الى «حضن» الحزب الدافىء، دون «زعبرات»، اقله في هذه المرحلة. اما الرهان على قيام بكركي بدور «رأس الحربة» في مواجهة حزب الله فلا يبدو رهانا رابحا، لان البطريركية المارونية لا تريد وغير قادرة على خوض تلك «المعركة» بعنوان ديني طائفي، ولا تملك الغطاء الوطني المطلوب لخوضها، وتبقى طروحات البطريرك الراعي حول الحياد والتدويل دون تطبيقات عملية ومجرد افكار للنقاش، وقد بدأت «الرسائل» غير المباشرة بين حزب الله وبكركي «لتوضيح» المواقف وعدم خروجها عن سياقها، او استغلالها من قبل «المصطادين» في «الماء العكرة». اما التسوية الداخلية المرتقبة فستكون ممكنة بعد انقشاع «ضباب» ازمات المنطقة في ضوء تبلور الاستراتيجية الاميركية الجديدة، وعندها «كلام آخر» سيسمعه اللبنانيون لتبرير كل اصحاب «السقوف العالية» «للنزول عن الشجرة».