المواطن اللبناني ضحية أهل السلطة وأصحاب المصالح

في سيناريو جهنّمي ينذر بكارثة اجتماعية، يتمّ التلاعب بأسعار ربطة الخبز والمحروقات. وهناك مخاوف من «رفع دعم مقنّع» مع الزيادة التدريجية لأسعار الخبز والمحروقات في وقت يعاني اللبنانيون من الفوضى في زيادة أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية على مختلف أنواعها نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار وجشع التجار، تأتي الزيادة المتدرجة بقرارات رسمية على بعض الأنواع المدعومة لتزيد خوفهم على لقمة عيشهم ومن فرض قرار رفع الدعم بشكل مقنّع.

فسعر ربطة الخبز زنة 930 غراماً كان قد ارتفع من 1500 إلى 2500، أي أكثر من 60%، وذلك بناءً على ارتفاع سعر طن الطحين، وعلى دراسة علمية لمؤشر سعر ربطة الخبز، وارتفاع سعر صرف الدولار، بحسب وزارة الاقتصاد. علمًا أنّ مصرف لبنان لا يزال يدعم استيراد القمح والطحين بالدولار من الخارج، كما يدعم مادة المازوت المستخدمة في الأفران. وزير الاقتصاد راول نعمة علّل قراره بأنّه «جاء بناءً على دراسة علميّة لمؤشّر سعر ربطة الخبز»، ليس هذا فحسب، بل ربط نعمة سعر الخبز بسعر صرف الدولار، وبسعر القمح عالمياً مبرراً أن قرار ارتفاع سعر ربطة الخبز سببه القمح الذي ارتفع سعره عالمياً من 200 إلى 320 دولاراً، أي أنّ السعر لن يستقر على هذه الزيادة.

أهل الحلّ والربط يزجّون بالأمن الغذائي في بورصة السوق السوداء والوزارة المعنية تتفرّج

يمارسون لعبةً خطرة تقضي برفعٍ تدريجي لأسعار ثلاثية السلع الحيوية، الطحين والمحروقات والدواء، وبذلك يتمّ تمرير القرار المتخذ ضمنيًّا برفع الدعم، ولكن على مراحل ومن دون شوشرة، كيلا يُحدث خضّة على المستوى الشعبي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الأمر هو تمهيد لرفع الدعم أو رفع دعم مقنّع للمواد الاستهلاكية فيما تنفي مصادر رسمية معنية بخطة ترشيد الدعم هذا الأمر نفياً قاطعاً، مؤكدة أن الأمر مرتبط بارتفاع أسعار المواد الأولية عالمياً، ولن يكون هناك أي قرار بترشيد الدعم قبل تأمين معايير محددة.

وفي ما يتعلّق برفع سعر ربطة الخبز، لا بد أن نتساءل لماذا يتم رفعها فيما يفترض أن الطحين مدعوم وهذا الدعم لا يكلف خزينة الدولة أكثر من 150 مليون دولار من أصل نحو 5 مليارات دولار، وبالتالي المبلغ لا يفترض أن يؤثر في الدولة بينما الـ 500 ليرة التي أضيفت إلى سعر الربطة من شأنها أن تشكل فرقاً كبيراً بالنسبة إلى مصروف العائلة الشهري.

من هنا، فان ما يحصل هو رفع دعم مقنع على غرار ما يحصل مع أموال المودعين في المصارف ضمن سياسة الـ «هيركات»، وذلك عبر سياسة ممنهجة لتحميل الأعباء الاقتصادية والمالية للمواطنين والمودعين في وقت ينشغل الشعب اللبناني بتأمين لقمة عيشه والخوف على صحته في ظل جائحة كورونا.

ومن يقرأ بين السطور لا بد أن يلاحظ أن المنظومة المتحدة بين أهل السلطة والمال تتواطأ لرفع سعر ربطة الخبز وصفيحة المازوت كمقدمة واضحة لرفع الدعم تدريجياً وجعله أمراً واقعاً ومن دون أي خطة اقتصادية تعيد للعملة الوطنية قيمتها الحقيقية وقدرتها الشرائية أو استعادة الأموال المنهوبة أو المهربة أو التأمين على أموال المودعين في ظل حكومة تصريف أعمال عاجزة ومكبلة دستورياً وصحياً بجائحة كورونا...

ما يحدث هو عملية تملّص صامت من كلّ الإلتزامات، ورفع مسؤوليّة الدولة عن الشعب فهم لا يتحمّلون تداعيات رفع الدعم بالمطلق لأنّه سيفجّر الشارع، لذا يعمدون إلى تنفيذ قرارهم برفع الدعم بطرق أخرى كما هو حاصل اليوم في الخبز والمحروقات، وفي الدواء أيضًا، بحيث لم يعلنوا رفع الدعم عنه ولكن فعليًّا لا دواء، إذن الاتجاه لتنفيذ رفع الدعم، ولكن الخطورة تكمن في رفعه من دون خطّة إصلاح هيكلي.

بمقابل رفع سعر المحروقات والخبز لا بدَّ أن نسأل ما مصير المنصّة، وهل سيبقون على دعمهم للتجار بإتاحة الدولار لهم على سعر 3900؟ عندئذ لماذا المسّ بسعر الرغيف؟ بأي حال سياسة الدعم بالطريقة التي اعتُمدت خاطئة وغير مجدية، بحيث استُنزف احتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية، وعمليًّا دُعمت السلع الأساسية مما تبقى من أموال المودعين، في حين أنّ التجار هم الذين استفادوا في عمليات التهريب. من هنا ففي حال سيتم الخروج من نظام الدعم الحالي، فذلك لا يمكن أن يتم اطلاقاً من خلال التفلّت وتخلّي الدولة عن مسؤولياتها، خصوصًا تجاه الفئات الأكثر عرضة، بل من خلال خطّة وطنية متكاملة للحماية الإجتماعية، من ضمنها اعتماد بطاقة ذكيّة قائمة على التموين بالبضائع وليس بالمال، وفق حاجة العائلات، وبما يدعم الصناعة المحلّية ويمنع تسريب الدعم. ولو تمّ اعتماد تلك البطاقة لما احتاجت الحكومة لمساعدة البنك الدولي.

في سياقٍ متصل، صحيح ان رفع الدعم عن القمح لم يعد مطروحاً على عكس المحروقات وبعض الادوية، لكن السؤال الى متى سيبقى المركزي متمكناً من دعم هذه السلعة في ظل الارتفاع العالمي لسعر القمح؟ فسعر طن القمح قد وصل الى 320 دولاراً بارتفاع وصل الى 60% خلال عام تقريباً، ولكن بين ترشيد الدعم ورفعه... هل سيرتفع سعر ربطة الخبز مجدداً ؟ لمعرفة ذلك تواصلنا مع مديرية الحبوب والشمندر السكري التي أكدت لنا أنه لن يتم رفع سعر ربطة الخبز العربي الكبيرة عن الـ 2500 ليرة لبنانية المثبت حالياً.

وما دامت المعطيات العلمية على حالها، فان صناعة الخبز مرتبطة بأكثر من سلعة مدعومة كالنيلون والمازوت والخميرة وغيرها، وهذا الأمر يساعد ضمن حسبة دائمة بالحفاظ على معدل وزن الربطة الذي لا يتأثر الا بغرامات قليلة جداً صعوداً أو نزولاً. وبهذه الطريقة يتغيّر هامش ربح أصحاب المطاحن المحتجين بشكل دائم ولكن لا يتأثر المواطن.

لكن استنزاف احتياطي المركزي عبر ترشيد الدعم أو استجداء رضى أصحاب المطاحن ليس الحل!

أما الحل بالنسبة لجمعية حماية المستهلك التي يرأسها د. زهير برو، اذ يقول «للديار» «هو بكسر احتكار ما يعرف بكارتيلات المطاحن وبعض الافران المرتبطة فيها». هذه الافران دعمت بحوالى 50 مليون دولار ما بين الـ 2008 والـ 2012 ما سمح لها بغزو السوق بحسب برو، والاحتكار منع استيراد الطحين بسعر من الممكن أن يكون أرخص بكثير من سعر المطاحن وبجودة أفضل! فالحل الأنسب في ظل الإفلاس هو رفع الغطاء عن مستوردي القمح الذي فصّل النظام على قياسهم وفتح السوق أمام الاستيراد الحر.