في حوش البيعة : الأخوّة أقوى من قتل الأخوة ــ في قره قوش : عودوا الى جذوركم... لا تستسلموا ولا تتوقّفوا عن الحلم!!

في عينكاوة : لتطهير القلوب ولعودة الأشرار عن طريقهم ليحيوا... ودّع الجموع باللغة العربية : سلام سلام الله معكم!!

دوللي بشعلاني ـ خاص «الديار»

بدأت حبّة القمح التي زرعها رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا فرنسيس خلال رحلة الحجّ الرسولية الأولى من نوعها في تاريخ العراق تنمو، حتى قبل اختتام هذه الزيارة التاريخية للبلاد التي لا تزال تعاني من النزف والعنف والدمار والتهجير. فقد لَبِست مدن العراق التي زارها الحبر الأعظم، وحتى تلك التي لم تطأها قدماه، ثوب العرس للقاء العريس المنتظر حامل السلام والرجاء والمحبّة والمغفرة، ثوب الفرح والسلام والأخوة بين جميع أبناء البلاد على مختلف دياناتهم وطوائفهم وانتماءاتهم. فبعد هذه الزيارة غير المسبوقة ستنمو حبّة القمح هذه وتكبر أكثر فأكثر وسيشهد العالم في السنوات المقبلة على إنماء العراق وازدهاره بفعل هدم الأسوار وبناء جسور الوحدة وتعزيز العيش المشترك وتحقيق العدالة الإنسانية والإجتماعية، في هذا البلد الجميل أرض الأنبياء وانطلاقة الأديان والإيمان بالله الواحد.

فنجاح زيارة بابا الفاتيكان التاريخية الى العراق والذي ظهر في نفوس وقلوب العراقيين الذين رحّبوا بزيارة قداسته كأب يزور أبناءه ويحتضنهم، هم الذين حلموا بوجود بابا السلام والأخوّة على أرضهم، انعكس أيضاً فرحاً وحبوراً على شعوب المنطقة أيضاً، على ما أكّدت مصادر كنسية بارزة، لا سيما منهم اللبنانيين الذين باتوا اليوم يتوقون الى زيارة قداسته الى لبنان. فاللبنانيون بحاجة ماسّة اليوم الى زيارة الحبر الأعظم، علّه يمنح بلدنا البركة والسلام ويتمّ إيجاد الحلول للأزمات المتفاقمة التي يعاني منها الشعب اللبناني منذ زمن، ولم يعد قادراً على تحمّلها نظراً لكثرتها.

وكان بابا الفاتيكان قد اختتم يوم أمس الأحد في 7 آذار الجاري رحلة الحجّ التاريخية والرسولية الى العراق بيوم طويل جال فيه على مدن عراقية عدّة هي حوش البيعة وقرة قوش في سهل نينوى في الموصل،وعينكاوة في إربيل. وقد لفتت زيارته غير المسبوقة أنظار العالم نحو العراق، البلد الجريح، بعد أن أشاحتها عنه زمناً طويلاً. وتابع وقائع الزيارة نحو 380 محطة تلفزيونية محلية وعالمية، قامت بنقل أحداثها عبر شاشاتها مباشرة.

هذا وتنقّل البابا فرنسيس تارة في الطائرة وطوراً في سيارة مصفّحة وفي موكب رسمي أحاطت به الحشود الشعبية على جانبي الطرقات، من منطقة الى أخرى وسط إجراءات أمنية مشدّدة اتخذتها الجمهورية العراقية حفاظاً على سلامة قداسته، في ظلّ إغلاق تام سببه ارتفاع الإصابات بفيروس «كورونا» مع أكثر من خمسة آلاف إصابة في اليوم.

ومن خلال متابعة اللبنانيين ولا سيما المسيحيين منهم لزيارة البابا فرنسيس الى العراق، إستذكروا اللحظات التاريخية التي لا تُنسى لزيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان (في 10 و11 أيار 1997) لتسليم الإرشاد الرسولي المنبثق عن السينودوس «رجاء جديد من أجل لبنان» التي فتحت صفحة جديدة في تاريخه وقد اعتبر لبنان أكثر من مجرّد بل بل رسالة سلام. وكذلك زيارة البابا بنديكتوس (من 14 الى 16 أيلول

2012) لتقديم الإرشاد الرسولي الى أساقفة الشرق الأوسط.

وكان زار البابا فرنسيس دول عدّة من منطقة الشرق الأوسط منها الأردن والأراضي المقدّسة (من 24 الى 26 أيّار عام 2014)، ومصر (من 28 الى 30 نيسان 2017) والإمارات العربية (من 3 الى 5 شباط 2019)، والمغرب (من 30 الى 31 آذار 2019) واليوم يزور العراق (من 5 الى 8 آذار 2021)، على أن يستكمل رحلات الحجّ التاريخية الى الدول الأخرى في المنطقة، ولا سيما الى سوريا وقد وُضعت زيارته لها على جدول أعماله، وستبدأ التحضيرات لها قريباً، على أن يأتي دور لبنان أيضاً، على ما يأمل اللبنانيون بشدّة.

 مطار إربيل

وكان استهلّ البابا فرنسيس اليوم الثالث والأخير من زيارته التاريخية الى العراق، عند الثامنة والنصف من صباح أمس (بتوقيت بيروت) بالتوجّه بالطائرة المروحية من بغداد الى مطار أربيل الدولي حيث أقيم لقداسته استقبال رسمي وشعبي كبير. وكان في مقدّمة مستقبليه رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور البارزاني. وفي قاعة الشرف الرئاسية في المطار، التقى بالسلطات الدينية والمدنيّة وبرجال دين من مختلف الطوائف في الإقليم. وكان له لقاء مماثل مع زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود بارزاني. وكانت اصطفت مجموعات من أبناء الإقليم عند مدخل مطار أربيل لتحية قداسة البابا، فيما تمّ رفع علمي إقليم كردستان ودولة الفاتيكان عند مدخل المطار.

وأشاد البابا بدور إقليم كردستان في احتضان المكوّنات الدينية والقومية وترسيخ التعايش السلمي فيما بينها. وقال إنه لم ينس كردستان، لافتاً إلى أنّ «هذا الإقليم أصبح بيتاً وملاذاً آمناً للمسيحيين».

 «حوش البيعة» في الموصل

ثمّ توجّه البابا فرنسيس عند التاسعة الى مدينة الموصل المدمّرة التي شهدت الكثير من المعارك والحروب والتدمير والتهجير على يدّ «تنظيم داعش». وشقّ موكبه الكبير الأمني والإعلامي الطريق وسط استقبال شعبي انتشر على جانبي الطرقات ترحيباً بالضيف الكريم للإحتفال في «حوش البيعة» بالصلاة على راحة نفوس الشهداء وضحايا الحرب وجرائم الحقد التي عاشها أهل هذه المنطقة. و«حوش البيعة» هي ساحة كبيرة تضمّ 4 كنائس في منطقة الموصل القديمة التي شهدت معارك ضارية بين القوّات العراقية وتنظيم «داعش» الإرهابي عام 2017، حيث دمّر التنظيم تلك الكنائس وحوّلها جميعها إلى أطلال. وتُشبه «حوش البيعة» برمزيتها كثيراً أورشليم والفاتيكان، والصلاة منها جعل النصر الحقيقي على الإرهابيين يتحقّق بوجود البابا سيما وأنّ «داعش» كان يرفض التنوّع ويُهجّر المسيحيين من بلدات الموصل.

واستُحدثت منصّة حُضّرت خصّيصاً لاستقبال البابا ولهذا اللقاء في مكان يحيطه الدمار من كلّ جوانبه بفعل إرهاب «داعش»، فُرشت أرضه بالسجّاد باللون الأحمر. علا المنصة صليب خشبي كبير وُضع أمامه كرسي أبيض خُصّص لقداسته حُفر على زاويتيه صليبان صغيران. وزُيّنت جوانب الموقع بلوحات ضخمة لصور البابا فرنسيس وشعار زيارته للعراق «أنتم جميعاً أخوة». ولدى وصول الأب الأقدس الى الموقع الذي كان ينتظره فيه نحو 400 أو 500 شخص من المدنيين والعسكريين ورجال الدين على مختلف دياناتهم ونسوة وأطفالاً حملوا أعلام العراق وأغصان الزيتون التي ذكّرت المؤمنين حول العالم بـ «أحد الشعانين»، علت الهتافات باللغة الإيطالية (فيفا إيل بابا فرانشيسكو) أي ما معناه «ليحيا البابا فرنسيس».

وبعد أن جلس قداسته على كرسيه يُحاوطه بعض رجال الدين، كانت بداية كلمة ترحيبية ألقاهارئيس الأساقفة المطران نجيب مخائيل قال فيها: «أرحّب بقداستكم في أرض الأنبياء، المهد المشترك للحضارات القديمة والديانات الإبراهيمية. شكراً لوجود قداستكم معنا رسول سلام وصوت صارخ يوقظ الضمائر النائمة. بالأمس قام النبي يونان بهداية أهل نينوى ونجوا. اليوم نريد صوتاً نبويّاً لمساندة هذا الشعب المتألّم الذي يُعاني من عبء العنف والظلم واللاعدالة الإجتماعية. اليوم نُشاهد البذور اليانعة تتفتّح يوماً بعد يوم في ربوع نينوى من خلال الشباب وأصحاب النوايا الحسنة لمحاربة الفقر والظلم. كلّنا نقول معاً وبصوت واحد: «لا للأصولية لا للطائفية ولا للفساد». رجالاً ونساء في الموصل وربوع نينوى يبنون جسوراً بين البشر بلا ككل ولا ملل ويهدمون الأسوار بين الأديان لتحقيق المحبّة والأخوة الإنسانية. نحن أبناء الكنائس والمساجد والحسينيات والمزارات إخوة في البشرية. بقلب واحد وإرادة واحدة يداً بيد نعبّر لقداستكم عن وحدتنا من خلال التنوّع والتكامل. نطلب أن تصلّوا من أجل شعب العراق الجريح والشرق الأوسط وجميع البلدان الفقيرة والممزقة عبر العالم للسير نحو الأمام لتحقيق السلام الإجتماعي والكرامة الإنسانية والإزدهار. نشكركم لتحقيق حلمنا ووجودكم بيننا».

ثمّ ألقى رئيس مجلس أسر وعوائل الموصل كُتيبة محمّد آغا شهادة قال فيها: «إنّ مدينة الموصل التاريخية والحضارية مدينة الأنبياء التي عانت في الفترات السابقة كثيراً، اليوم تنهض من بين الرماد كالعنقاء، وبفضل الله بدأت تنعم بالأمن والأمان وتتعافى من جراحها تدريجيّاً. إنّ مجلس أسر وعوائل الموصل الإجتماعي الثقافي المستقلّ يؤكّد على المحبة والسلام والتعايش السلمي ويضمّ كلّ أطياف المجتمع الموصلي بتنوّعاته الدينية والعرقية والمذهبية كافة، ولا يفرق بينها أبداً، ويؤكّد على المحبة بين المسيحيين والإسلام. وخير دليل على ذلك وجود الأب إيمانويل والأب رائد عادل كلّو (مسؤول كنائس الموصل للسريان الكاثوليك) في هذا المجلس كمسؤول للعلاقات العامّة. لذا ندعو المسيحيين للعودة الى مدينتهم وأملاكهم وأعمالهم. شكراً لهذه الزيارة فلم يزر العراق بابا سابقاً، إنّها التفاتة مباركة وسابقة مقدّرة». ودعا أن يعمّ السلام العراق بعد زيارة بابا السلام، وطالب المجتمع الدولي المساعدة على إعادة إعمار نينوى المدمّرة.

بعد ذلك، تحدّث مسؤول كنائس الموصل للسريان الكاثوليك الأب رائد عادل كلّو فقال: «إنّ التعايش السلمي والعيش المشترك في مدينة الموصل اليوم ليس شعارات نطلقها لمجاملة بعضنا البعض، بل هي مواقف حبّ عميقة وسلام محبة حقيقية اختبرتها مع أخوتي المسلمين. فقد عدت قبل 3 سنوات فاستقبلني أخوتي المسلمين بحفاوة كبيرة، كتلك التي نستقبل قداستكم بها اليوم. لقد غمروني بحبّهم والتمست منهم الإحترام. وكان لزيارة أئمة وخطباء جوامع الموصل الأثر البليغ في نفسي حين دخلوا الكنيسة للتهنئة، وزارني جميع مسلمي المدينة على حدّ سواء للتهنئة في إعادة بناء كنيسة البشارة التي هدّمها «داعش». علماً أنّ من رسم أيقونات الكنيسة ونَحت تماثيلها وخطّ آياتها الإنجيلية هو فنّان مسلم من أهالي الموصل. هل يوجد أيقونة للتعايش المشترك أجمل من هذا؟». إذا كان هناك من أيقونة أجمل فهي تلك الدعوة لي لحضور حفل المولد النبوي في جامع رشّاد، وكانت المرّة الأولى التي يتمّ فيها دعوة رجل دين مسيحي للإحتفال داخل الجامع، وتركت مشاركتي شعوراً طيّباً في نفوس أهل المدينة. علماً أنّ «داعش»، في الجامع نفسه، قرأ وثيقة طرد المسيحيين في العام 2014 من المدينة وسلب ممتلكاتهم. وفي الجامع نفسه تمّ تكريمي بدرع الإحتفال. إنّه نصر عظيم نُحقّقه مع بعضنا البعض، مسيحيين ومسلمين ويزيدية. لقد غادرت المدينة في 10-6- 2014 مع رعية من 500 عائلة مسيحية هاجرت بمعظمها الى الخارج والبقية الباقية تخاف العودة، ومن يسكن المدينة اليوم من المسيحيين لا يتجاوز عددهم 70 عائلة. أسكن اليوم مدينة الموصل التي تضمّ مليونا مسلماً يُنادونني «أبونا رائد». أعيش رسالتي معهم».

وختم: «إنّ أهالي الموصل يُدركون أهمية الحضور المسيحي بينهم، فهم بحاجة الى أن يلتفت اليهم العالم من أجل عيش رسالة السلام والحبّ تلك التي شوّه «داعش ملامحها بأفعاله».

 كلمة البابا والصلاة على نيّة ضحايا الحرب

ثم ألقى بابا الفاتيكان كلمة في ساحة «حوش البيعة» عبّر فيها عن تأثّره بالشهادتين اللتين سمعهما.وقال: «إنّ هذا التناقص المأسوي في أعداد تلاميذ المسيح هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط إنّما هو ضرر جسيم لا يُمكن تقديره ليس فقط للأشخاص والجماعات المعنية بل للمجتمع نفسه الذي تركوه وراءهم. في الواقع يضعف النسيج الثقافي والديني الغني بالتنوّع بفقدان أيّ من أعضائه مهما كان في الظاهر صغيراً». وشكر الأب كلّو على شهادته عن الخبرة الأخويّة مشيراً الى أنّها «أعطت الأمل بأنّ المصالحة لا تزال ممكنة وأنّ ثمّة أمل في حياة جديدة أيضاً». وقال إنّ السيّد آغا ذكّرنا بأنّ الهوية الحقيقية لهذه المدينة هي العيش المتناغم معاً بين أناس من مختلف الأصول والثقافات». ورحّب بدعوته للجماعات المسيحية لأن تعود الى الموصل وتقوم بدورها الحيوي في عملية الشفاء والتجديد.

أضاف: «نرفع اليوم صلاتنا من أجل جميع ضحايا الحرب والنزاعات المسلّحة. هنا في الموصل تبدو واضحة جدّاً عواقب الحرب والعداوات المأسوية. إنّها لقسوة جديدة أن تكون هذه البلاد مهد الحضارات قد تعرّضت لمثل هذه العاصفة اللاإنسانية التي دمّرت دور العبادة القديمة وألوف الألوف من الناس، مسلمين ومسيحيين ويزيديين الذين تأثّروا كثيراً بالإرهاب وغيرهم. هُجّروا بالقوّة أو قُتلوا. واليوم على الرغم من كلّ شيء، نحن نؤكّد من جديد قناعتنا أنّ الأخوّة أقوى من قتل الأخوة، وأنّ الرجاء أقوى من الموت وأنّ السلام أقوى من الحرب. تنطق هذه القناعة بصوت أكثر بلاغة من صوت الكراهية والعنف ولا يمكن أن يُخنق في وسط الدماء التي تسبّب بإراقتها هؤلاء الذين يُشوّهون اسم الله ويسيرون في طرق الدمار».

وتابع قداسته: «إن كان الله إله الحياة وهو كذلك فلا يجوز لنا أن نقتل أخوتنا باسمه، إن كان الله إله السلام، وهو كذلك فلا يجوز لنا أن نشنّ الحرب باسمه، وإن كان الله إله المحبّة، وهو كذلك فلا يجوز لنا أن نكره أخوتنا».

وبدأ البابا فرنسيس الصلاة مع الناجين من تنظيم «داعش» من أجل جميع ضحايا الحرب «لكي يمنحهم الله القدير الحياة الأبدية والسلام الذي لا نهاية لهم وليستقبلهم في حبّهم وحنانه»، مضيفاً: «لنصلّي أيضاً من أجلنا جميعاً لنعيش في وئام وسلام متجاوزين الإنتماءات الدينية لأنّنا نُدرك أنّنا جميعاً في عين الله أخوة وأخوات». ثمّ تلا الصلاة على نيّة الضحايا والحاضرين جميعاً طالباً نعمة التوبة من الله، ضمّنها كلمات عميقة ومؤثّرة عنوانها المسامحة والأخوة كمفتاح لقلب الإنسان للعيش معاً. وإذ صلّى أيضاً على نيّة الذين ارتكبوا الجرائم ضدّ الإنسانية لكي يتوبوا ويعترفوا بخطاياهم للربّ، طلب من الله إعطاء القدرة على إعادة إعمار مدينة الموصل وشفاء الآلام بحسب خطّة حبّه.

بعد ذلك، انحنى قداسته أمام الصليب الذي نُصب وسط المنصة وقبّله، ثمّ أزال الستار عن صليب كبير آخر حيث لم يُرفع الصليب في الحوش منذ أن دمّر تنظيم «داعش» الكنائس هناك، وقد جرى وضعه في الساحة تخليداً لزيارة البابا التاريخية لهذا المكان. ثمّ أطلق حمامة سلام، وألقى التحية على المشاركين وسط أجواء الفرح وعزف الموسيقى والتصفيق وتلويح الأطفال بالأعلام العراقية وقد حملوا أيضاً الورود وأغصان الزيتون. وقدّم البابا فرنسيس لبعض المشاركين الهدية التذكارية التي حملها معه وهي عبارة عن ميدالية فضيّة تمثّل النبي ابراهيم مغادراً أرضه أور وخلفه خريطة العراق مع نخلة مثمرة باسقة.

وتمّكن البابا فرنسيس بعد انتهاء اللقاء وخلال توجّهه الى النقطة التي استقلّ منها الطائرة المروحية من مشاهدة حجم الدمار الضخم الذي لحق بمباني الموصل بسبب المعارك والجرائم التي شهدتها من قبل تنظيم داعش الذي سيطر عليها عام 2014 وخرج منها عام 2017.

كنيسة مريم «الطاهرة» في قرة قوش (بغديدا)

وانتقل البابا فرنسيس الى قره قوش (أو بغديدا كما يُسمّيها أهلها) البلدة المسيحية الأكبر في العراق التي تعرّضت لتهجير عدد كبير من عائلاتها بعد أن دخلها «داعش» في آب 2014 وخرج منها في تشرين الأول 2016 وأحرق فيها الكثير من المنازل. وقصد كنيسة مريم «الطاهرة» الكبرى للسريان الكاثوليك، التي تُعتبر أكبر كنائس العراق وإحدى كبريات كنائس الشرق الأوسط التي تتميّز بالسعة والهندسة والجمال لإقامة صلاة التبشير الملائكي فيها. هذه الكنيسة التاريخية التي فجّرها تنظيم داعش الإرهابي في شباط 2015 ما أدّى إلى تدمير أجزاء كبيرة من أروقتها الداخلية وجدرانها الخارجية. ولكن في العام 2019 أعلنت الإمارات ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تجديد تعاونهما ضمن مبادرة المنظمة لإعادة بناء عدد من المواقع التراثية والثقافية المدمّرة في مدينة الموصل لا سيما كنيستي «الطاهرة»، و«الساعة».

وعلى جانبي الطرقات انتشر المؤمنون بالآلاف من مسلمين ومسيحيين، مرحّبين بقداسته، حاملين أعلام العراق والفاتيكان والبالونات الملوّنة والزهور. وقد أوقف البابا موكبه لإلقاء التحيّة على العراقيين ولا سيما منهم الأطفال.

ودخل البابا فرنسيس الكنيسة عند الحادية عشرة والنصف من قبل ظهر أمس، وسط أجواء الفرح والترانيم والزغاريد، ووضع على المذبح باقة ورد قدّمه إيّاها الأطفال عند مدخل الكنيسة.

ثمّ ألقى بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الكاثوليك مار اغناطيوس يوسف يونان كلمة ترحيبية بقداسته قال فيها: «نستقبلكم مع الجمع الحاشد وهو جزء من المسيحيين الذين طُردوا منذ سنوات من بيوتهم في قره قوش، برطّيلا، بعشيقا، كرمليش وسائر البلدات والقرى في سهل نينوى، نرحّب بكم كما رحّبت نينوى بيونان الذي أعادها الى الله بالتوبة، فأنتم «الكارز بالحقّ» مثل يونان النبي. ويُشارك معنا بعض من جيراننا من مسلمين عرب، وقرّ وتركمان وإيزيد وشبك وككائيين، جماعة متنوّعة دينياً وإتنيّاً سعت في الماضي للتعايش في تفاهم وسلام». وأخبر كيف جرى إقتلاع جميع المسيحيين من أرضهم في العام 2014 بسبب إيمانهم، وأرغموا في البحث عن مأوى لهم في إقليم كردستان المجاور. وتحدّث عن كنيسة «الطاهرة» وكيف جرى تدنيسها وحرقها على غرار كنائس المنطقة الأخرى على أيدي الإرهابيين التكفيريين، وكيف بعونه الله تعالى والتضحيات رجع الكثيرون الى منازلهم المحروقة بعد تحريرها. وقال: «نحن فخورون كيف ظلّ المؤمنون الحاضرين والمهجّرون الى أرض بعيدة متمسّكين بإيمانهم الراسخ ومحبّتهم لإنجيل السلام والعدالة». وشكر المؤسسات التي ساهمت بمساعدة العائلات المسيحية على ترميم منازلها ودور العبادة، مشجّعاً المؤمنين على العودة مجدّدين الرجاء بمستقبل آمن وكريم في وطنهم.

بعدها صافح البابا فرنسيس وأخذ منه البركة وسط تصفيق الحضور.

واستمع قداسته لشهادة السيّدة ضحى عبد الله التي تحدّثت عن نعمة الرجاء التي نالتها من الربّ رغم استشهاد طفلها وابن عمّه وشابّة كانت تستعدّ للزواج بفعل هجوم «داعش» على المنطقة. وكيف تمكّنت أرواح الملائكة الثلاثة من إنقاذ المدينة ومن هرب أهلها من بطش الإرهابيين، والعودة اليها بعد ذلك. وقالت بأنّها سامحتهم كما سامح المسيح الذين صلبوه، لأنّ المغفرة أقوى من كلّ شيء. وقد صافح البابا فرنسيس السيدة عبد الله في نهاية الإحتفال معزياً وقدّم لها هديته التذكارية.

ثمّ كانت شهادة للكاهن عمّار الذي تحدّث فيها عن خبرته، وقال إنّه ارتسم كاهناً في العام 2001، ولم تكن خدمته الكهنوتية سهلة للعيش خصوصاً في فترة الحروب التي عاشتها المدينة، ثم الدخول دوّامة العنف والحرب على العراق والهجمات الإرهابية والصراعات الداخلية والتي لا تزال مستمرة الى الآن. إلاّ أنّ الربّ الله كان قوّته خلال العشرين سنة الماضية وأعانه لعيش خدمته بملء الفرح لمجد اسمه القدوس. وأخبر كيف أنقذه الله من الموت مرتين الأولى رغم قربه من إنفجار سيّارة، والثانية عندما كان وسط وابل من الرصاص ونجا. فضلاً عن عيشه زمن التهجير القسري في العام 2014، عندما اقترب إرهاب «داعش» من المدينة التي كان يخدم فيها، وتمكّن مع بعض العائلات من الهرب منها قبل دخول الإرهابيين بوقت قصير. وكيف كان الله خلاصهم يومذاك رغم كونهم بلا مأوى ومأكل، وكيف أعطى القوّة للكهنة ليكونوا السند للعائلات المهجّرة طوال سنوات التهجير الثلاث التي اعتبرها سنوات نعمة وليس نقمة.

 كلمة البابا فرنسيس في «الطاهرة»

وألقى قداسته كلمة استذكر خلالها ما فعله الدمار في بلدة قره قوش إبان سيطرة «داعش الإرهابي على المدينة. وقال: «هذا الوقت ليس فقط لترميم المباني، إنّما أوّلاً وقبل كلّ شيء، لترميم الروابط التي توحّد الجماعات والعائلات، الشباب والكبار في السنّ. عندما يجتمع الكبار في السنّ والشباب معاً نحافظ على العطايا التي منحنا إيّاها الله ونُسلّمها لغيرنا.. حافظوا على الروابط التي تجمعكم معاً حافظوا على جذوركم».

أضاف: «هناك أوقات قد يتعثّر فيها الإيمان عندما يبدو أنّ الله لا يرى ولا يعمل. كان هذا صحيحاً بالنسبة لكم في أيام الحرب الحالكة، وفي أيام الأزمة الصحية العالمية اليوم وانعدام الأمن الكبير. في هذه اللحظات تذكّروا أنّ يسوع بجانبكم. لا تتوقّفوا عن أن تحلموا، لا تستسلموا، لا تفقدوا الرجاء».

تابع البابا فرنسيس: «قالت السيدّة ضحى شيئاً أثّر فيّ «إنّ المغفرة ضرورية من قبل الذين نجوا من الهجمات الإرهابية: المغفرة، هذه كلمة مفتاح. المغفرة ضرورية حتى نبقى في المحبّة وحتى نبقى مسيحيين. قد يكون الطريق الى الشفاء الكامل ما يزال طويلاً، لكنّي أطلب منكم ألاّ تيأسوا. يتطلّب الأمر القدرة على المغفرة، وفي الوقت نفسه، الشجاعة للكفاح. أعلم أنّ هذا صعب للغاية، لكنّنا نؤمن أنّ الله يمكنه أن يحلّ السلام في هذه الأرض. إننّا نتق به ونقول مع كلّ أصحاب النوايا الحسنة: لا للإرهاب واستغلال الدين. لقد استذكر الأب عمّار أهوال الإرهاب والحرب، وشكر الله الذي سندكم في الأيام الجميلة والصعبة. ينشأ الشكر وينمو عندما نتذكّر عطايا الله ووعوده».

وختم شاكراً الله على عطاياه ومنح هذه الأرض وأهلها المغفرة والسلام والأخوّة. ودعا لعدم الملل من الصلاة من أجل توبة القلوب وانتصار ثقافة الحياة والمحبة والمصالحة الأخويّة مع احترام الإختلافات وتنوّع التقاليد الدينية، وفي السعي لبنان مستقبل مرسّخ على التعاون بين جميع أصحاب النوايا الحسنة. وقال بأنّه رأى من الطائرة تمثال السيدة العذراء يعلو الكنيسة فأوكلها ولادة هذه المدينة من جديد، مستذكراً ما تعرّض له تمثال الكنيسة من الإساءة ودوس الأرجل، رغم ذلك لا يزال وجه والدة الإله ينظر الينا بحنان للمواساة والتقوية وإعطاء الحياة، شاكراً الأمهات على عطائهنّ رغم كلّ الجراحات، داعياً لاحترامهنّ والعناية بهنّ ومنحهنّ الفرص.

بعد ذلك تلا قداسته مع المشاركين صلاة التبشير الملائكي، ثمّ أعطى بركته للجميع.

 القدّاس الإلهي في عينكاوة

وبعد استراحة، وغداء خاص في إكليركية القديس بطرس التي تبعد عن إربيل نحو 60 كلم، توجّه البابا فرنسيس عند الثالثة (بتوقيت بيروت) من بعد ظهر أمس الى إربيل للإحتفال بالقدّاس الإلهي في ملعب «فرانسو الحريري» في عينكاوة الذي جرى تجهيزه للإستقبال الجماهيري الأكبر في زيارة البابا التاريخية للعراق.

ووصل بابا روما في سيّارة الـ «بابا موبيلي» المكشوفة، الى الملعب حيث كان ينتظره نحو 10 آلاف مؤمناًفراحوا يحيّونه ويلتقطون له الصور التذكارية بهواتفهم الخليوية. وجال قداسته في أرجاء الملعب محيياً ومباركاً الحضور الذي بدا مسروراً واستقبله بالأغاني والتراتيل الخاصّة المرحّبة والفرحة بالزيارة. كما حضرت شخصيات سياسية على رأسها رئيس الإقليم وعقيلته ورئيس الحكومة، وديبلوماسيين ورجال دين ومدنيين وإعلاميين جاؤوا من مختلف المناطق المجاورة.

وفي الملعب استُحدّثت منصة كبيرة جميلة توسّطها صليب ضخم وزيّنتها الأيقونات الجدرانية المميّزة، واحدة تمثّل السيدّ المسيح والثانية العذراء مريم تحمل الطفل يسوع. وأمام الصليب وُضع مذبح كبير ازدانت قاعدته بالورود البيضاء، وتوسّطته كرسي البابا باللونين الذهبي والأرجواني.

 العظة

وبدأ قداسته الإحتفال بالذبيحة الإلهية بمعاونة لفيف كبير من المطارنة والأساقفة، الى جانب حضور عدد كبير من الراهبات والرهبان. وخدمت القدّاس جوقة كبيرة من شبّان وشابات إربيل التي أنشدت التراتيل بلغات عدّة منها «يا حمل الله الحامل خطايا العالم إرحمنا وامنحنا السلام».

وبعد قراءة من سفر الخروج والإنجيل الذي يطرد فيه يسوع المسيح الباعة والتجّار من الهيكل، تلا البابا فرنسيس عظته باللغة الإيطالية جرى ترجمتها باللغتين العربية والكردية قال فيها: «ذكّرنا القديس بولس قائلاً: «هو مسيح قدرة الله وحكمة الله». بيّن لنا يسوع هذه القدرة وهذه الحكمة خصوصاً بالرحمة والمغفرة. لم يُرد أن يفعل ذلك بإظهار القوة أو فرض صوته من أعلى ولا بخطابات طويلة، إنّما أظهر قدرته بتقديم حياته على الصليب. أظهر حكمته وقدرته الإلهية مبيّناً لنا حتى النهاية أمانة محبة الآب لنا، أمانة إله العهد الذي أخرج شعبه من العبودية وقاده في طريق الحريّة. ما أسهل الوقوع في شَرك التفكير في أنّه يجب علينا أن نبيّن للآخرين أنّنا أقوياء وحكماء. ما أسهل الوقوع في شرك تصوّرات خاطئة عن الله لنجد فيها الأمان. في الواقع العكس هو صحيح. نحتاج كلّنا الى قدرة الله وحكمة الله التي أعلنها يسوع على الصليب. على الجلجلة، قدّم يسوع للآب جراحه التي بها شُفينا. هنا في العراق كثيرون هم أخوانكم وأخواتكم وأصدقاؤكم ومواطنوكم الذين يحملون جراح الحرب والعنف، مرئية وغير مرئية. التجربة هي الردّ عليها وعلى غيرها من الوقائع الأليمة بالقوّة البشرية وبحسب الحكمة البشرية. أمّا يسوع فقد بيّن لنا طريق الله الذي صار هو فيه ويدعونا لاتباعه فيه».

أضاف: «في الإنجيل الذي أصغينا إليه الآن نرى كيف طرد يسوع من هيكل أورشليم الصيارفة وكلّ الذين كانوا يشترون ويبيعون. لماذا أقدم يسوع على هذا الموقف بما فيه من قوّة واستفزار؟ فَعَل ذلك لأنّ الآب أرسله ليُطهّر الهيكل، لا هيكل الحجر فقط بل هيكل قلوبنا. كما لم يسمح يسوع أن يصير بيت أبيه مكان تجارة، هكذا لا يريد أن يُصبح قلبنا مساحة اضطراب وفوضى وارتباك. يجب أن يكون القلب نقيّاً ومنظّماً وطاهراً، من ماذا؟ من الأكاذيب التي تلوّثه ومن الازدواجية المنافقة التي لدينا جميعنا، شيء منها. إنّها أمراض تؤذي القلب وتُلطّخ الحياةوتجعلها مزدوجة. نحن بحاجة لأن ننطهّر من الأمان الزائف الذي يستبدل الإيمان بالله بالأمور الزائلة وبالمصالح الآنية. نحن كذلك بحاجة الى أن نُزيل من قلوبنا ومن الكنيسة الطموحات للسلطة والمال المؤذية لتطهير قلوبنا. نحتاج الى أن تتّسخ أيدينا وأن نشعر بالمسؤولية وألاّ نقف مكتوفي الأيدي بينما يُعاني إخوتنا وأخواتنا.ولكن كيف ننقّي قلبنا؟ لسنا قادرين على ذلك لوحدنا، نحن بحاجة الى يسوع. لديه القدرة على أن ينتصر على شرورنا، وأن يشفي أمراضنا، وأن يُرمّم هيكل قلبنا».

وتابع قداسته: «إن الله لا يتركنا نموت في خطيئتنا حتى إذا تركناه نحن، هو لا يتركنا أبداً لأنفسنا، بل يبحث عنا ويُتابعنا حتى يدعونا الى التوبة، ويُطهّرنا. «حيّ أنا»، يقول السيّد الربّ على لسان حزقيال النبي، ليس هواي أن يموت الشرير بل أن يرجع عن طريقه فيحيا. يريدنا الله أن نخلص ونصبح هيكلاً حيّاً لمحبّته، في الأخوّة والخدمة والرحمة».

وقال: «أنقضوا هذا الهيكل، أقيمه في ثلاثة أيّام» كان يسوع يتكلّم عن هيكل جسده وبالتالي عن كنيسته، وقد وعدنا الرب يسوع أنّه يستطيع بقوّة قيامته أن يُقيمنا نحن أيضاً وجماعاتنا من بين الأنقاض التي أحدثها الظلم والإنقسام والكراهية. نرى بعيون الإيمان الرب المصلوب والقائم من بين الأموات حاضر وسطنا، ونتعلّم استقبال حكمته المحرّرة، وأن نجد راحة وشفاء في جراحه.. هو السامري الرحيم يريد أن يُبرىء جراحنا وأن يشفي كلّ ذكر ألم وان يُلهم مستقبل سلام وأخوّة في هذه الأرض».

وختم البابا فرنسيس عظته: «عملت الكنيسة في العراق، ولا تزال تعمل الكثير لإعلان حكمة الصليب العجيبة ونشرت رحمة المسيح ومغفرته، ولا سيما بين أكثر الناس إحتياجاً. حتى في وسط الفقر الشديد والصعاب، قدّم الكثيرون منكم بسخاء كبير مساعدة ملموسة وتضامناً مع الفقراء والمتألّمين، وهذا ما دفعني الى المجيء حاجّاً إليكم أشكركم وأثبّتكم بالإيمان والشهادة. اليوم أستطيع أن المس لمس اليد أنّ الكنيسة في العراق حيّة، وأنّ المسيح حيّ فيها يعمل بشعبه المقدّس والمؤمن... أضعكم جميعاً في حماية سيدتنا مريم العذراء الوالدية».

بعد انتهاء القدّاس، قدّم البابا هدية لرئيس الأساقفة المطران بشّار متّي وردة الذي شكره على زيارته التاريخية هذه التي انطبعت في نفوس العراقيين الذين لن ينسوها مدى حياتهم، ووعده بالصلاة الدائمة على نيّة قداسته.

وبدوره، شكر قداسته السلطات الكنسية والمدنية على تحضير الذبيحة الإلهية بهذا الجوّ الرائع رغم المحاذير الأمنية وتفشّي وباء «كورونا». وإذ وجّه تحياته الحارّة لكلّ المنظّمين والحاضرين أكّد أنّ العراق ستبقى دائماً في قلبه. وختم بالعربية «سلام، سلام، سلام، الله معكم». وعلا الهتاف والتصفيق من الحضور ومنح البابا فرنسيس بركته الختامية لجميع الحاضرين.

وبذلك، اختتم بابا روما رحلة الحجّ الى العراق التي استمرّت منذ الجمعة المنصرم، ليُغادر العراق من مطار بغداد الدولي صباح اليوم الإثنين بعد مراسم الوداع الرسمي له، عائداً الى إيطاليا.