بعد وصول سعر الصرف الى قرابة الـ 11000 ليرة، اجتاحت موجة غلاء جديدة اسعار السلع الغذائية والاستهلاكية مما أدى الى تآكل قدرة المواطن الشرائية وبالتالي أصبحت المطالبة برفع الحد الادنى للأجور من البديهيات، الا ان علم الاقتصاد يعارض هذا التوجّه، اذا لم يكن من ضمن خطة اقتصادية شاملة. ولكن ما مدى قدرة الأسَر على الصمود خصوصاً ان البلد لا يزال ينحدر الى الأسوأ والفقر يتزايد ولا ضوء يلوح في الأفق.

فان انهيار سعر الصرف ادى الى انهيار القيمة الفعلية للأجور، وبعدما كان الحد الأدنى للأجور والمحدد بـ675 الف ليرة يساوي 450 دولارا، اصبح بوصول سعر الصرف الى حدود 11 الفاً يساوي نحو 62 دولارا ليصبح من الأدنى في العالم.

هذا التدهور المستمر في سعر صرف الليرة سينعكس زيادة إضافية على أسعار السلع ستتراوح ما بين 5 الى 12 % وفق ما سبق وقدّرها نقيب أصحاب السوبرماركت نبيل فهد لـ «الديار».

إذا أضفنا الى كل هذا التدهور ارتفاع معدل التضخّم السنوي الى 85 % خلال العام 2020 استناداً الى دراسة مؤشر اسعار الاستهلاك الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي وارتفاع أسعار السلع بنسبة 114 % وفق تقديرات صندوق النقد الدولى، وامام هذا الواقع المرير والوضع المأساوي أما آن الأوان لرفع الحد الأدنى للأجور كخطوة أساسية ليتمكن من خلالها المواطن اللبناني من التقاط أنفاسه؟ وهل تداعيات رفع الأجور ستكون أسوأ من الوضع الحالي؟

يؤكد الباحث في التمويل والمصارف محمد فاعور  لـ»الديار» انّ رفع الحد الأدنى للأجور في الظروف الحالية ليس حلاً لكن في المدى المتوسط يجب إعادة النظر به، مشدداً على ان الحلول بالقطعة على اهميتها لن تنفع، فالمطلوب ان يعالج هذا الملف في سياق شمولي يأخذ بالاعتبار سعر الصرف، المالية العامة للدولة، الى جانب قدرة الشركات الخاصة على دفع الرواتب، خصوصاً انّ الغالبية الساحقة منها تعاني مشاكل وإفلاسات ونحو 30 % من الشركات في بيروت تغلق أبوابها. وبالتالي، لا يمكن السير في أي حل في ملف الأجور اذا لم يكن شمولياً.

وفي سياق متصل اوضح انه: «اذا رفعت الرواتب الآن من دون إرفاقها بأي حلول ستتآكلها موجة التضخّم وكأن شيئاً لم يكن، وفي أفضل الأحوال، ستكون زيادة الرواتب حالياً موجّهة الى القطاع العام وليس الخاص، اذ ليس في مقدور الدولة ارغام القطاع الخاص او مراقبته لتنفيذ هذه الخطوة كون لا سلطة له عليها ودوره ينتهي عند إقرار الحد الأدنى للأجور، امّا في خصوص القطاع العام فلا بد من التذكير بأنّ العجز في خزينة الدولة بلغ العام 2018 بما بين 11 و12 %. فكيف سيموّل هذا العجز اليوم اذا اضفنا اليه زيادة في الرواتب والأجور؟ بالتأكيد عن طريق طباعة العملة وهذا ما يحصل حالياً، الا انّ تمويل العجز بهذه الطريقة سيؤدّي الى مزيد من التدهور في سعر الصرف».

هذا واكد ان حماية القدرة الشرائية للمواطن تكون عبر لجم انهيار سعر الصرف وليس من خلال إعادة النظر بالرواتب. «فالأولوية اليوم هي لحماية ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطن وذلك لا يتم عن طريق زيادة اصطناعية للرواتب لأنها ستتآكل مع استمرار انهيار سعر الصرف، انما من خلال حل شمولي وفي اولويته وضع سياسات تهدف للجم سعر الصرف. بهذه الطريقة فقط تتم حماية القدرة الشرائية للمواطن».

وعمّا اذا كان استمرار مصرف لبنان بدعمه لبعض السلع يؤدي دوراً إيجابياً في التخفيف من تدهور سعر الصرف في حال رفعت الأجور، يجيب فاعور: «انّ الدعم يتم عن طريق ما تبقى من دولارات في البلد. وفي كل الأحوال، وفي ظل هذا «الستاتيكو» المتمثّل بغياب أي قرار جدي واي خطوة إصلاحية ستستمر قدرة المواطن الشرائية بالتآكل، واحتياطي مصرف لبنان من العملات الاجنبية بالتناقص، وعندها سنصل الى مرحلة يتوقف فيها الدعم كلياً ليس لأن الدولة قررت إيقافه انما لأنها لم تعد تملك الدولارات للدعم!» مضيفاً: ًان تحسّن القدرة الشرائية للمواطنين سيزيد الطلب على السلع وبالتالي سيزيد الطلب على الاستيراد، ما سيخلق ضغطاً اضافياً على سعر الصرف، وبالتالي نحن ندور في حلقة مفرغة!»

أما بالنسبة الى الحل الشمولي المطلوب للخروج من هذه الازمة فيرى أن الحل يبدأ من التفاوض مع صندوق النقد، مشدداً على ان لا مهرب من ذلك، الى جانب مجموعة من الخطوات الإصلاحية ابرزها توحيد أسعار الصرف والانتقال الى سعر صرف مَرن. اضافةً الى ترشيد إنفاق الدولة وترشيد الدعم والانتقال من دعم السلع الى شبكة امان اجتماعي، هذا وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وكذلك إعادة هيكلة الدين العام لتحرير خزينة الدولة من عبء الدين.

ولو ان العمل بدأ بكل هذه الخطوات سابقاً لكانت الإجراءات اقل ايلاماً، ولكانت خسائر القطاع المصرفي اقل، ولما تدهورت العملة الى هذا الحد الذي وصلته اليوم، ففي الاقتصادات الناشئة مثل لبنان، عندما يتدهور سعر الصرف الى مستوى معين، من الصعب جداً إعادة رفعه بسهولة، إنما من الاسهل تأمين استقراره.

وفي النهاية لا بد من التنويه بان الانهيار المالي والأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان ليست غير مألوفة او استثنائية في العالم، إنما تَخبّط صناع القرار في لبنان وطريقة تعاطيهم تجاهها يجعلها من الأسوأ في العالم. ففي خلال عام ونصف العام على بداية الأزمة لم يتخذ بعد أي قرار يحدّ من الانهيار، بل انّ الانهيار يتسارع واللبناني ننتقل من السيىء الى الأسوأ من دون افق، وأكبر دليل على ذلك تدهور العملة التي هي مرآة للوضع الاقتصادي.