أهالي الشهداء : يقتلون أبناءنا من جديد... ومبلغ 30 و15 مليون ل.ل. «احتقار» لكرامتهم


لم يكن ينقص الـ 205 ضحايا وشهداء الإنفجار المُروّع الذي وقع في مرفأ بيروت مساء الثلاثاء في 4 آب الماضي واعتُبر الثاني بضخامته في العالم بعد قنبلتي هيروشيما وناكازاكي على اليابان (في 6 و9 آب 1945)، سوى أن يُقتلوا من قبل دولتهم أكثر من مرّة، مرتين وثلاثة. علماً أنّ الإنفجار حصد 205 ضحايا وشهداء، و6500 جريح بينهم 1000 شخص أُصيبوا بإعاقات دائمة، وعشرات آلاف العائلات المنكوبة التي شُرّدت من منازلها بعد أن تعرّضت للدمار الكلّي.

فالمرّة الأولى التي قُتلوا فيها كانت بسبب إهمال الدولة وعدم تحمّل المعنيين مسؤولية عدم الإبقاء على مواد متفجّرة خطيرة في العنبر رقم 12 في المرفأ هي عبارة عن 2750 طنّاً من نيترات الأمونيوم، من دون أن يكون لهم أي علاقة لا من قريب أو بعيد بهذا التقصير سوى كونهم مواطنين لبنانيين، أو أجانب يعيشون في هذا البلد. وقد شاء القدر أو الصدفة السيئة أن يجتمعوا في هذه البقعة التي اهتزّت في هذا التاريخ المشؤوم عن بكرة أبيها، أكانوا من قاطني محيط المرفأ أو يعملون في إحدى مناطقها ومرّوا في أحد الأحياء المجاورة له.

والمرّة الثانية، أنّ الضحايا لا زالوا يٌقتلون كلّ يوم منذ الإنفجار، وحتى الآن أي بعد مرور 7 أشهر على وقوعه، بسبب عدم الكشف عن حقيقة ما حصل، رغم التحقيقات التي أُجريت في الداخل، كما من بعض دول الخارج التي أرسلت فرقاً إستقصائية الى موقع الإنفجار ولم تصدر تقاريرها بعد. هذا فضلاً عن تأكيد رئيس الحكومة حسّان دياب بأنّ التحقيقات ستكشف المسؤولين عن هذا الإهمال في غضون 5 أيام، ثمّ ما كان منه إلاّ أن استقال واعتُبرت حكومته في حكم «تصريف الأعمال» ولم تعمل بالتالي سوى على سوق عدد من الموظّفين الى السجن من دون أي أدلّة كافية.

والمرة الثالثة، والأشدّ إيلاماً بعد الصدمة التي مُني بها أهالي الضحايا والشهداء لدى فقدان أحبّائهم بطريقة فجائية، ولا يزالوا، هي قيمة التعويضات التي ستُدفع لهم «ثمن» حياتهم التي لا تُقدّر بثمن بنظرهم، «بأبخس الأثمان». ويقول أحد المتابعين لملف أحد ضحايا الإنفجار بأنّ التعويضات هي عبارة عن مساعدات مالية مقدّمة من دول الخارج لأسر الضحايا الذين وصل عددهم الى 205 أشخاص بعد وفاة أحد مصابي الإنفجار منذ أيام، مقابل خسارتهم لهم، ولإعالتها خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت المعلومات بأنّ الدول المانحة قامت بتقديم المساعدات بالدولار الأميركي على النحو الآتي: 20 ألف دولار كتعويض عن كلّ ضحية (أو شهيد) تخطّت الخامسة عشرة من عمرها، و10 آلاف دولار عمّن كانت تحت سنّ الخامسة عشرة. وفضيحة التعويضات، لا تكمن في المساعدات التي قدّمتها دول الخارج، مشكورة من قبل عائلات الضحايا، إنّما في أنّ الدولة اللبنانية التي لم تستطع حماية مواطنيها والأجانب العاملين في لبنان من انفجار 4 آب، قد احتسبت هذه المبالغ الممنوحة لعائلات الضحايا على سعر الدولار «الرسمي» أي 1500 ل.ل. وكأنّها لا تُدرك بأنّ ثمنه اليوم في السوق السوداء قد حلّق ووصل الى الـ 10 آلاف ل.ل. ويستمرّ في الإرتفاع، في ظلّ نزول الشعب اللبناني الى الشارع وقطع الطرقات احتجاجاً على انهيار قيمة الليرة اللبنانية والإرتفاع الجنوني للدولار والعملات الصعبة.

وهذا الأمر وإن دلّ على شيء، على ما قالت إحدى السيّدات التي فقدت أخاها في الإنفجار، فعلى أنّه «احتقار» لأرواح الضحايا من قبل الدولة التي تقتلهم مرّة جديدة، عن طريق تحويل قيمة التعويضات الى الليرة اللبنانية التي تفقد قيمتها الشرائية يوماً بعد يوم وقد وصلت الى أدنى مستوياتها في التاريخ. فبحسب حسابات الدولة، إنّ قيمة التعويض عن «حياة» معيل أسرة، أو أب وأمّ، أو زوج وزوجة، أو إبن وإبنة، أو أخ وأخت، أو طفل وطفلة، يتراوح بين 30 مليون ل.ل. عن كبار السنّ و15 مليون ل.ل. عن صغار السنّ، أي ما قيمته 3000 و1500 دولار فقط لا غير. في حين أنّ قيمة الـ 20 ألف دولار الفعلية اليوم هي 200 مليون ليرة، فيما لو أعطتها الدولة مباشرة لعائلات الضحايا من دون أي تحويل لها(كـ «فريش موني»).

وأكّد العارفون بأنّ ما يزيد في الطين بلّة أنّ التعويضات الهزيلة لأهالي الضحايا لن تُدفع نقداً، بل بواسطة شيكات مصرفية، ما يعني «إذلال» جديد لهم من قبل المصارف، لكي يتمكّنوا من سحب المبلغ كاملاً. هذا إذا تمكّنوا من الحصول عليه في ظلّ المعايير المشدّدة وغير المسبوقة التي تعتمدها المصارف، وتبدّلها شهرياً بحسب ما تراه مناسباً لها.

ويقول محامي أحد الضحايا بأنّه من حقّ الأهالي الذين لم يخرجوا بعد من صدمة فقدان أحبّائهم بطريقة بشعة وفجائية، المطالبة بحقوق أبنائهم حتى بعد وفاتهم، خصوصاً وأنّ ما يحصل هو «إجحاف كبير» بحقّ الضحايا من جهة، كما بحق عائلاتهم من جهة ثانية. وتساءل: ما الذي يمنع الدولة من تحويل المساعدات المالية التي وصلتها من الخارج بالعملة الصعبة، من تقديمها مباشرة الى أهالي الضحايا، بدلاً من تحويلها الى الليرة اللبنانية وعلى السعر غير المعتمد للدولار في لبنان اليوم في أي من القطاعات والمستلزمات والإحتياجات اليومية، باستثناء رواتب الموظّفين والعمّال؟! ألا تُساهم مثل هذه الخطوة من التعويض عليهم بجزء من حقوقه المعنويّة والإنسانية لكي يتمكّنوا من الإستمرار بعيش حياتهم بطريقة لائقة خلال السنوات المقبلة، بعد أن فقدوا معيلهم، أو أحد الأشخاص المنتجين في عائلاتهم، بدلاً من «استنزاف» هذا الحقّ أيضاً؟

واعتبرت إحدى الزوجات التي فقدت ربّ أسرتها في انفجار 4 آب، أنّ في ذلك قتل لزوجها ولكرامته مرّة ثانية، ولحقوقه الإنسانية أيضاً، هو الذي كان رجلاً كريماً ومعطاء. كذلك الأمر بالنسبة لكلّ ضحية من الضحايا الذين سقطوا بالإنفجار التي لها قيمة معنوية بالنسبة لعائلتها لا تُقدّر بثمن، ولا يُمكن التعويض عنها بكلّ كنوز الدنيا. فكيف إذا جرى تقديرها بحفنة من المال لم تعد تُساوي شيئاً في هذه الأيّام الصعبة!!

وتقول والدة أحد الضحايا بأنّ بناء قبر لابنها الذي فقدته في الإنفجار وهو في عزّ شبابه كلّفها 5000 دولار. فهي لم تكن تعلم بأنّه سيأتي يوم تدفن فيه ابنها، بل كانت تحلم بأن تزفّه عريساً وتفرح به وبأولاده. وفضّلت عدم التعليق على قيمة التعويضات، مشيرةً الى أنّ أي شخص يتسبّب بقتل شخص آخر في هذا البلد بحادث سير يتمّ دفع تعويض قيمته 60 مليون ل.ل. لأهل الضحية أو يتمّ سجنه، و»اللبيب من الإشارة يفهم».

وتحدّث العديد من ذوي الشهداء الذين سقطوا في انفجار المرفأ عن الأوراق والمستندات التعجيزية التي طلبت منهم الهيئة العليا للإغاثة تأمينها «إستناداً الى قرار مجلس الوزراء الرقم 1/2020 بتاريخ 5/8/2020، لا سيما المادة 12 منه» للحصول على المساعدات المالية. وأكّد أحدهم أنّه قام بتأمينها مرتين بعد طلب من الهيئة رغم الإقفال العام بسبب الظروف الصحيّة التي تمرّ بها البلاد بفعل تفشّي وباء «كورونا»، والأزمات الإقتصادية والمالية التي يعاني منها جميع المواطنين.