هذه المقالة هي الأولى ضمن سلسلة من أربعة أجزاء تتناول الاقتصادات المعتمدة على النفط وانتقالها إلى مستقبل خالٍ من الكربون، حيث ستتناول التقارير المرتقبة، إضافة إلى السعودية، كلا من روسيا ونيجيريا وكندا.

في ظاهر الأمر، لا توجد دولة قد تتكبد خسائر أكثر من المملكة العربية السعودية بسبب التحول في قطاع الطاقة وعدم الاعتماد على الوقود الأحفوري. فالسعودية بعد اكتشاف النفط مختلفة كلّياً كدولة عمّا كانت عليه.

ومنح العاهل السعودي المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، الامتياز النفطي عام 1933 إلى شركة "ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا" (شيفرون حالياً)، بعد أشهر فقط من إعلانه ملكاً على السعودية، التي أعاد توحيدها بعد 1000 عام.

دولة الرفاهية

أتاحت عائدات منح الامتياز النفطي، وإيرادات النفط المباشرة لاحقاً، للملك عبدالعزيز ترسيخ سيطرته على البلاد، من خلال توفير الرعاية والدعم للقبائل في شبه الجزيرة العربية، وفقاً للباحثة في "المجلس الأطلسي" والمتخصصة بتاريخ المملكة إلين وولد. مشيرةً إلى أن هذا الالتزام النبيل بتوفير الرعاية والرفاهية مازال مستمراً بالدولة السعودية الحديثة.

وتضيف وولد: "ساعد الامتياز النفطي على إضفاء مزيد من الشرعية على حكم ابن سعود للمملكة.. ويصعب للغاية تصور وجود الدولة السعودية بدون الاعتماد على النفط".

وبعد ما يقرب من 5 سنوات من الجهود المبذولة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط الخام، مازال الأخير يسهم بنحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، إلى حدٍّ يُمكن تشبيه استحالة صمود السعودية في عالم خالٍ من النفط بصعوبة ازدهار سويسرا في عالم خالٍ من البنوك.

ومع ذلك، قد لا تكون هذه الرؤية المتشائمة سليمة تماماً، إذ أن غنى السعودية بالموارد الطبيعية - وليست كلها هيدروكربونية - يمكن أن يغذي صناعات جديدة ويحافظ على الصناعات القائمة مع انخفاض انبعاثات الكربون نحو الصفر.

وتتمتع السعودية بتوافر احتياطيات من الفوسفات والنحاس والذهب فائقة الجودة أو من الطراز العالمي، لكنها لم يتم استغلالها بشكل كاف بفضل مزاحمة النفط للموارد الأخرى.

وفي الوقت نفسه، تعد إمكانات الطاقة الشمسية في المملكة، الأغنى في العالم، مما يمنحها الفرصة لتكون دولة مركزية في قطاع الهيدروجين الأخضر في المستقبل كما كانت في تجارة البترول خلال القرن الماضي.

ويتضمن هذا الأمر دروسا لمجموعة من الدول المصدرة للنفط، التي تتطلع إلى العقود القادمة وتنتابها مشاعر الخوف. إذ لا يجب أن تكون نهاية الاعتماد على الوقود الأحفوري بمثابة غياب شمس البلدان التي ازدهرت بفضله.

كيف يبدو الوصول بإنتاج النفط إلى مستوى الصفر بالنسبة للسعودية؟

الأمر الذي يجب أخذه في الاعتبار هو أن التحول السريع في قطاع الطاقة، لن يشهد اختفاء استهلاك النفط حتى عام 2050، فقد أظهر تقرير في عام 2019 صادر عن اللجنة الدولية للتغيرات المناخية مسارات للإبقاء على درجة الحرارة عند 1.5 درجة مئوية، وأن الطلب على النفط الخام سينخفض إلى ما بين 11 و57 مليون برميل يوميا في عام 2050، مقارنة بإنتاج السعودية الحالي 8 ملايين برميل يوميا.

ومع انخفاض تكاليف الإنتاج القياسية للنفط في السعودية عند 2.80 دولار فقط للبرميل، فمن المرجح أن تظل المملكة تحتل مكانة بارزة في مجال إنتاج النفط.

وعلاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى عدم استخدام كل النفط المنتج لتوليد الطاقة فحسب، فحوالي 10% من إنتاج النفط في العالم (ما يقرب من 10 ملايين برميل يوميا)، يذهب إلى المنتجات غير المحترقة مثل البلاستيك والأسفلت ومواد التشحيم والمواد الكيميائية والأسمدة.

وفي حين أن الوقود الهيدروكربوني يطلق غاز ثاني أكسيد الكربون كأثر جانبي حتمي لاحتراقه، فإن المنتجات غير المحترقة تميل إلى إبقاء ذرات الكربون مغلقة في مصفوفاتها الكيميائية. ومن المرجح أن تكون مثل هذه المنتجات من أصعب المنتجات الممكن استبدالها بمنتجات مكافئة لها غير أحفورية خلال العقود القادمة.

وتتوقع شركة بريتش بتروليوم (بي بي) أن يزداد الطلب على النفط بنحو 0.5% سنويا، حتى وفق سيناريو يبقى فيه العالم على ارتفاع الحرارة أقل من درجتين.

وفي حال انخفض الطلب على النفط، وانتهى الأمر بالعالم إلى إزالة كميات كبيرة من الكربون من الغلاف الجوي، فهناك دور محتمل آخر للسعودية.

لقد أخفق احتجاز الكربون وتخزينه ( سي سي إس)، في تحقيق أهدافه حتى الآن، ويتواجد غالبا في مشاريع تجريبية ذات جدوى مشكوك فيها، ومع ذلك، وفي حال الاستفادة من التكنولوجيا، فقد تمنح حقول النفط في المملكة فرصة لاستمرار المبادرة.

ويعد أقرب استخدام تجاري لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه في العالم اليوم هو الأسلوب المحسن لاستخراج النفط، حيث يجري ضخ الغاز في الآبار القديمة للمساعدة على دفع المزيد من النفط الخام إلى السطح، ويقع أحد أكبر هذه المواقع قيد التشغيل حاليا في حقل الغوار العملاق شرق المملكة العربية السعودية، لكن لم يتم التحقيق بشأن إمكانات المملكة في هذا الأمر جيدا حتى الآن.

احتجاز الكربون وتخزينه

وكشفت دراسة أجراها المعهد العالمي لاحتجاز الكربون وتخزينه في عام 2016 أنه يمكن تخزين ما يتراوح بين 5 مليارات و30 مليار طن متري من ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض، أي ما يعادل الانبعاثات الحالية خلال حوالي عام.

أصدر كبار منتجي النفط الذين أجروا تقييمات أكثر تفصيلا، تقديرات أكبر بكثير، فقد تكون الولايات المتحدة وحدها قادرة على حجز ما يصل إلى 21.2 تريليون طن من الكربون، على سبيل المثال.

إن الرؤية الأكثر طموحا للمستقبل لن تتطلع فقط لإدارة انخفاض الطلب على النفط، ولكن تبحث إلى ما هو أبعد من ذلك.

والمثير للدهشة أن السعودية لديها مزايا في هذا الأمر أيضا. فعدد قليل من الأماكن في العالم يتلقى كثافة واتساق ضوء الشمس الذي يسطع على شبه الجزيرة العربية.

وفي 2020، وقعت شركة أبوظبي الوطنية للطاقة "طاقة" اتفاقية لبناء محطة للطاقة الشمسية من شأنها أن تولد الطاقة بتكلفة 1.35 سنت للكيلوواط/ ساعة - وهو أقل سعر لتوليد الطاقة الشمسية على الإطلاق، ويناهز حوالي ربع الدعم الذي يدفعه مستخدمو الكهرباء في القطاع الخاص بالسعودية. وفي حين أن التقدم المتحقق متعثر حتى الآن، فإن الرياض لديها خطة لتوليد 50% من شبكة الطاقة من مصادر متجددة بحلول عام 2030.

وتعتزم الدول ذات الإمكانات المماثلة، مثل تشيلي وأستراليا، بالفعل تطوير قطاع تصدير الطاقة الذي قد يتنافس يوما ما ويتفوق على النفط نفسه - الهيدروجين.

لقد كتبنا منذ فترة أن الهيدروجين، كوقود كيميائي ومكون في العمليات الصناعية، يتمتع بالعديد من المزايا مثل النفط. وعلى عكس النفط، يمكن أن يكون الهيدروجين خاليا من الكربون حال استخدام الطاقة المتجددة لفصل جزيئات الماء.

أكبر مُصدر في العالم

ومن المرجح أن تكون الطاقة هي العامل المحدد الأكبر لتكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر، لذا فليس من المستغرب أن تطمح المملكة العربية السعودية لأن تصبح أكبر مصدر للعنصر الغازي (الهيدروجين).

ونظريا، تعد إمكانية إعادة اختراع دور السعودية لتصبح أحد أهم مراكز الطاقة عالميا في عالم ما بعد الوقود الأحفوري أمرا جوهريا. ولكن تكمن المشكلة في كيفية تحقيق ذلك على أرض الواقع.

إن السعودية التي تأسست ثروتها وهويتها على النفط الخام، ستواجه صعوبات في ظل انخفاض الطلب على النفط. يوميا، تتدفق مئات الملايين من الدولارات إلى خزائن المملكة بفضل صادراتها من الذهب الأسود (النفط). وتسعى السعودية إلى الحفاظ على استمرار تدفق عائدات صادرات النفط إلى خزائنها.

ويعتبر نظام الحكم في السعودية، منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، النفط الخام والأموال التي تتدفق بفضله، عوامل مركزية لشبكات توفير الرعاية والتوظيف، التي تقدمها الدولة للمواطنين.

وفي فبراير 2021، كشف تقرير صادر عن " كربون تراكر"، وهي مؤسسة فكرية غير هادفة للربح ومقرها لندن، بشأن التحولات في قطاع الطاقة، أنه قبل فترة طويلة من انخفاض إنتاج النفط إلى الصفر، ستعاني المملكة العربية السعودية من نقص بنسبة 44% في الإيرادات الحكومية فقط من انخفاض الاستهلاك على مدى العقود المقبلة.

ويمكن للسعودية تنويع الاقتصاد من خلال إنتاج البلاستيك أو الألمنيوم أو الهيدروجين - كما بدأت دول الخليج الأخرى في القيام به خلال العقود الأخيرة - ولكن لا توجد صناعة أخرى تتمتع فيها السعودية بالمزايا الفريدة التي تتمتع بها في مجال النفط.

وبحسب الباحثة إلين وولد، فإن تراجع إيرادات السعودية من النفط ينطوي على مخاطر بإحداث تغييرات ليست اقتصادية فحسب، بل أساسية. وقالت: "يمكن أن تقود هذه التغييرات لعلاقة مختلفة بين الحكام والشعب لناحية صعوبة تجنب التغيير السياسي".

وتوظف الدولة 45% من المواطنين السعوديين الذين لديهم وظائف، والموظفون الأجانب - الذين يمثلون ثلاثة أرباع القوة العاملة - موجودون في الغالب فقط بفضل النفط وعائداته من الثروة.

ويشير نموذج دبي لكيفية ازدهار إمارة خليجية بدون الاعتماد على النفط، لكن لا يُمكن إسقاط هذا النموذج على السعودية، التي يبلغ عدد سكانها عشرة أضعاف سكان دبي وتتبنى نهجا ثقافيا محافظا.

ومع ذلك، فقد حان الوقت لإجراء تحول. إذا نجح العالم في خفض انبعاثات الكربون، فلن يبقى أمام النفط الذي حافظ على استدامة الحياة في السعودية لمدة ثمانية عقود المزيد من السنوات.

وفي حال عدم حدوث تحول بقطاع الطاقة، قد تواجه أجزاء من الخليج العربي ظروفا صعبة لدرجة أن موجات الحرارة المميتة ستصبح روتينية بحلول نهاية القرن الجاري.

وفي كلتا الحالتين، من أجل البقاء والازدهار بعد مرور 100 عام على وجودها كدولة، يتعين على المملكة العربية السعودية أن تتحرك وتمضي قدما في تنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط.

وقال أندرو غرانت، كبير المحللين في مؤسسة " كربون تراكر": "لا أحد يقول إن حدوث التحول سيكون أمرا سهلا.. الأمر يتلخص في توقيت حدوث التحول وليس شيئا آخر".