عادة ما تلجأ الشعوب المعذّبة والمتعبة والتي تفتقد لأدنى مقومات العيش الكريم والكرامة الإنسانية، إلى الإنتفاضات والثورات الشعبية كردّة فعل على السياسات السيئة والفساد والإمعان في سرقة الثروات وسوء إدارة الدول، ولكن هذه الثورات لا يمكن أن تنجح في نماذج مشابهة لطبيعة النظام اللبناني والتركيبة اللبنانية التي تنفرد بتركيبةٍ طائفيةٍ مذهبية مناطقية يستحيل فهم ترابطها واستمرارها في هذا العصر.

هذه الطّبيعة المعقّدة للنظام الطائفي والمذهبي،تحول وفق مصادرَ متابعةٍ للمشهد السياسي العام دون امكانية نجاح ثورات شعبيية لأن الغطاء الطائفي سيكونُ الحجّةَ والملجأ لأي فاسد سيبذل كل جهده للتلطّي وراء القبيلة والمذهب والطائفة مسوقاً النظرية اللبنانية الإستثنائية «يا غيرة الدين «، لذلك، فالتغيير الحق الذي يرتجى هو التغييرُ في الصندوق أو الثورة فيه، وهذا ما يراهن عليه كثر من المنتفضين منذ 17 تتشرين حتى اليوم ،إضافة للبعض من الطبقة السياسية التي ركبت الموجة،أو وضعت نفسها في موقع المعارضة لهذه المنظومة، وكأنها طارئةٌ على العمل السياسي في لبنان،ومرسلةٌ لإنقاذ لبنان ممن نهبوا شعبه لعقود، ولكن ثمّة سؤال مركزيٌّ يطرح على بساط البحث هو : هل ثمة مناخ من اللاوعي الجمعي للانتفاض حقا على هذه المنظومة في صناديق الإقتراع؟ بالإضافة للقانون الإنتخابي الذي ستجري هذه العملية على اساسه في أصل الأمر والذي يحدد بدوره إمكانية إحداث التغيير الحقيقي المرتجى.

الناشطة الحقوقية والسياسية الدكتورة حليمة قعقور رأت في حديث خاص لجريدة «الديار» أن المطلوب بالمرحلة الاولى هو ادارة مستقلة لإدارة الإنتخابات وإقرار قانون لذلك لنجاح العملية الديمقراطية والتمثيل العادل ولم يسبق تاريخ لبنان ان كان هناك قانون عادل وإنما على قياس المنظومة السياسية وأشخاص بأنفسهم، فالهيئة المستقلة لإدارة الإنتخابات يجب أن تخضع لآليات تعيين مدروسة، وتطبيق هذا القانون الآنف الذكر الذي يبدأ بتجريم التمويل الخارجي، ومنع التوظيف السياسي والرّشوة وهذه هي المنطلقات التأسيسية لانبثاق سلطة مستقلة، بغض النظر عن مدى جهوزية المعارضة لخوض هذه المعركة أم لا بالإضافة للرهان على جهوزية الناس والوعي الجماعي الذي نراهن على قسم منه والذي عززته ثورة 17 تشرين الأخيرة، فالمستفيد من هذه المنظومة لن يتغير وانما الرهان على الأحزاب السياسية المعارضة الجديدة التي تطرح بدائل جدية ورؤية مختلفة لإدارة المسالة والأزمة اللبنانية لذلك فالجهوزية والقدرة على وضع لوائح بديلة عبر برنامج خاص جديد ويعطي القدرة على الخروج من المستنقع الحالي واليأس للعبور من المرحلة الآنية.

بدوره يرى عضو كتلة المستقبل النيابية النائب سامي فتفت في حديث خاص للـ «الديار» أنه من الواضح أنّ ثمّة تغيّرا في الجو السياسي في لبنان، فلا أحد يمكنه الغاء الآخر سواء الأحزاب الموجودة أو الثورة، فنحن مع تغيير قانون الانتخاب إلا أن عدة كتل رفضت نتيجة هواجس معينة، ولا شك أن الجميع عليه أن يتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه والرئيس الحريري هو من أوائل المضحين والذين يحملون في عقولهم وقلوبهم هواجس الشباب اللبناني، لذلك فعلى الجميع التعبير عن الرأي بديموقراطية وبضمير وطني وان يكون الاقناع سيد الموقف والخطاب السياسي الذي يصل لجميع اللبنانيين دون استثناء.

مسؤول جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور أكد «للديار» أنّ رهان القوات على إرادة اللبنانيين في تغيير مصيرهم في صناديق الاقتراع، ومن الواضح أن رفض الأكثرية الحاكمة للانتخابات المبكرة هو الدليل لمعرفتهم بان ثمة مزاجاً متبدلاً للرأي العام، والانتفاضة التي حصلت دلت على هذا التّبدل، وهذه الاكثرية مدركة ان ارادة الناس ستقف في وجهها، لذلك فالمعركة المركزية اليوم هي الانتخاب والثورة في الصندوق لاعادة رسم مشروع يعبّر عن آلامهم وآمالهم والوطن الذي يريدون.

بدوره، عضو تكتل لبنان القوي اسعد درغام اعتبر أن الانتخابات النّيابية المبكرة التي يطالب بها البعض، لن تغير في المشهد البتة والانتخابات النيابية عموما لن تغير جذريا في المشهدية السياسية اللبنانية، كما يتخيل البعض ويخطط لذلك، فالتغيير الجذري او الملحوظ لن يحدث على مقاس التمنيات والأحلام، لبعض الطّامحين والمراهنين على تغيير الواقع السياسي وفق أهوائهم ومصالحهم، وقد آن الأوان أن يتعظ هؤلاء ويتعلمون من التجارب التاريخية السابقة، وثمة أمور يجب النقاش فيها لتوحيد الجهود الرامية للإصلاح قبل الحديث عن موضوع الإنتخابات النّيابية.