فاجأت رئاسة الجمهورية يوم أمس اللبنانيين باعلانها احالة مشروع مرسوم تعديل المرسوم 6433 الذي يتم على اساسه توسعة الحدود اللبنانية بمساحة 1430 كيلومتراً الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء رضوخا لرأي هيئة التشريع والاستشارات التي قالت انه يحتاج لقرار حكومي. فبعد توقيع وزيري الأشغال والنقل والدفاع كما رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب على المشروع في الساعات الماضية، كان من المنتظر ان يوقعه رئيس الجمهورية يوم أمس ليعيده الى السراي حيث يصدره دياب بصفة مرسوم «استثنائي»، لكن المفاجأة كانت باحالته من دون توقيعه الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء ما طرح أكثر من علامة استفهام. وفيما ربط البعض بين قرار رئيس الجمهورية وزيارة مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية ديفيد هيل لتبيان ما يحمله معه فلا يكون لبنان بموقع من يصعّد قبل الاستماع للموقف الأميركي، نفت مصادر قريبة من رئاسة الجمهورية الامر جملة وتفصيلا، وشددت لـ»الديار» على ان ما قام به الرئيس عون يندرج باطار مسؤولياته الرئاسية وكونه مؤتمن على الدستور ونصوصه، خاصة وان رأي هيئة التشريع والاستشارات كان واضحا لجهة ان تعديل المرسوم يحتاج قرار الحكومة مجتمعة حتى وان كانت حكومة تصريف اعمال نظرا لاهميته وللنتائج المترتبة عليه، أضف ان الوزراء الموقعين ربطوا توقيعهم بإقرار المرسوم في مجلس الوزراء.

عون يتمسك بخياراته الاخرى

وكان بيان صادر عن رئاسة الجمهورية اعتبر ان «لرئيس الجمهورية ان يحدد ما يرتئيه الافضل لحفظ سلامة الوطن. وهو مؤتمن على ذلك بالدستور والقسم وهو يدعو اللبنانيين الى الوثوق بقوة الموقف اللبناني ويقول لهم «تأكدوا بأن الأمور لن تجري الاّ بما يؤمّن كامل حقوق لبنان براً وبحراً».

واعتبرت مصادر مواكبة للمستجدات على هذا الصعيد ان عون رمى كرة المرسوم في ملعب دياب ليرى ما اذا كان سيتجاوب معه ويدعو مجلس الوزراء للانعقاد، لكن في حال أصر على موقفه السابق لجهة رفضه عقد جلسات لحكومة تصريف الاعمال، فهو لن يتأخر باللجوء الى خيارات أخرى وأبرزها توقيعه المرسوم من دون تردد ليصدر على شكل مرسوم استثنائي.

ويؤكد رئيس منظمة «جوستيسيا» الحقوقية الدكتور بول مرقص أن المرسوم يتطلب قرارا حكوميا حتى وان كانت الحكومة حكومة تصريف أعمال، فاتخاذ قرار مماثل لا يشكل تجاوزا للدستور وللمادة 64 منه، بل بالعكس تماما باعتباره من «الاعمال الضرورية التي ان لم تحصل تلحق ضررا بلبنان وبالمصلحة اللبنانية العليا». ويوضح مرقص في حديث لـ «الديار» ان «مفهوم تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق يتّسع كّلما طالت فترة تشكيل الحكومة الجديدة. كذلك الأمر عند مواجهة حالة طارئة أو إستثنائية على حدّ ما ذهبت الإجتهادات اللّبنانية والفرنسية كما الفقه في بلجيكا التي قاست مثلنا التأخير الحكومي، حفاظاً على المصلحة العامة وعلى إستمرارية المرفق العام».

وبالتوازي مع الحراك الحاصل لتوسعة الحدود البحرية الجنوبية للبنان، تحرك ملف الحدود الشمالية. فقد سلّم وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه سفير سوريا لدى لبنان علي عبد الكريم علي يوم أمس مذكرة تضمنت «تأكيد الموقف اللبناني من ترسيم مياهه الإقليمية ودعوة السلطات السورية للتفاوض حول الترسيم من منطلق العلاقات الاخوية  على اساس   قانون البحار الدولي». وقال السفير السوري بعد اللقاء: «استمعت من الوزير وهبه الى شرح حول ما حدث في مفاوضات الحدود البحرية مع كيان العدو المحتل، وقد عبرت عن  ارتياحي لما أنجز بالامس وما يستكمل في رئاسة الحكومة وفي القصر الجمهوري مع فخامة الرئيس... وسأنقل رغبة الوزير وهبه والقيادة في لبنان بما يخص التفاوض في كل الملفات ومن ضمنها الحدود  البحرية، يعني التكامل والتنسيق والتفهم، وسوريا ترحب دائما بأي تنسيق وهي حريصة على ذلك وان شاء الله ترفع العقوبات عن سوريا ولبنان، من منطلق ان هذه  العقوبات اصابت المصارف والاقتصاد والتنمية تقتضي رؤية تكاملية بين البلدين  باتجاه الخليج والشرق والغرب معا، وباتجاه  العالم».

هيل مصعدا في بيروت

وعلى وقع خطوات المرسوم 6433، وصل مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية ديفيد هيل يوم أمس الى بيروت حيث يمكث يومين بحسب ما أعلن بيان صادر عن مكتب المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية، لعقد اجتماعات مع مجموعة كبيرة من القادة اللبنانيين.

ولفت البيان الى ان هيل سيؤكد على قلق الولايات المتحدة من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد والمأزق السياسي الذي يساهم في هذا التدهور. وسيضغط على المسؤولين اللبنانيين وقادة الأحزاب للاجتماع وتشكيل حكومة قادرة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية وملتزمة بذلك حتى يتمكن الشعب اللبناني من تحقيق كامل إمكاناته.

وبحسب المعلومات، فان هيل يحمل معه «العصا» الاميركية وهو لن يتردد بالتحذير المباشر من مخاطر تعديل المرسوم 6433 لجهة ان ذلك سيؤدي لنسف مسار المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل. ويتبنى الاميركيون تماما وجهة النظر الاسرائيلية لجهة ما تقول تل ابيب انها حقوق لها. وتقول مصادر مطلعة لـ «الديار» ان المسؤول الاميركي لن يتوانى عن التلويح حتى بعقوبات اوروبية من بوابة الملف الحكومي بمسعى منه لتخويف المسؤولين اللبنانيين وحثهم على التراجع عن حقوق لبنان البحرية. فوفق المعطيات فان زيارة هيل الى بيروت تتزامن مع زيارة وزير الخارجية الاميركية أنطوني بلنكين الى بروكسيل حيث يواكب التحضيرات لانعقاد مجلس وزراء الخارجية الاوروبي، وينتهز الفرصة، بحسب وكالة «المركزية» لإعادة الدفع في اتجاه فرض عقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي على معطلي تشكيل الحكومة من المسؤولين اللبنانيين.

حركة في موسكو وانسداد أفق في لبنان

وفي ظل انسداد الافق الحكومي وتوقف المشاورات والحركة في  الداخل اللبناني، يعيد رئيس المكلف سعد الحريري تشغيل محركات طائرته. اذ يحط اليوم في موسكو تلبية لدعوة رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين في زيارة يجري خلالها مباحثات مع الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء ميشوستين ووزير الخارجية سيرغي لافروف وعدد من المسؤولين. وبحسب المعلومات فان زيارة الحريري الى روسيا سيليها زيارات لأكثر من مسؤول لبناني وأبرزهم رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية ورئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط اضافة لرئيس الحزب «الديمقراطي اللبناني» طلال ارسلان. ولا تحمل موسكو أفكارا او مبادرة محددة تخرج الملف الحكومة من عنق الزجاجة الا انها ترى ان من واجبها التحرك لتليين المواقف ولعب دور توفيقي بين القوى اللبنانية المتنازعة خاصة وانها تطمح لدور قيادي في المنطقة.

وعلى الصعيد الحكومي ايضا، بدا لافتا ما نقل عن عضو كتلة «التنمية والتحرير» علي بزي يوم أمس وقوله ان «ما يعوق الانفراج على المستوى الحكومي هو انتظار الافراج عن عقدة الثلث المعطل التي تعطل الحل بعد ان تعطلت أحوال البلاد والعباد»، ما يعني تحميل بزي ومن خلفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري رئيس الجمهورية والوزير السابق جبران باسيل مسؤولية تعطيل عملية تشكيل الحكومة.

سلامة: المصرف المركزي آخر دعامة في البلد

ورغم كل الانتقادات التي تطاله والدعوات للاطاحة به، خرج حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يوم أمس ليؤكد أن المصرف المركزي لا يزال آخر دعامة صلبة للبلاد. وشدد في حديث لـ «le Figaro «، أنه لم يختلس الأموال على حساب البنك المركزي، لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر. وقال: «شرحت في 8 نيسان 2020 على إحدى القنوات أصول ثروتي وذلك من خلال إظهار المستندات التي تثبت أنني أملك 23 مليون دولار في عام 1993، قبل أن أتولى رئاسة المصرف المركزي».

وفي سياق متصل، عقد مدير عام دائرة المناقصات جان العلية يوم أمس مؤتمراً صحافياً بادر  خلاله، إلتزاماً بقرار الرئيس ميشال عون لناحية خضوع كل المؤسسات للتدقيق الجنائي الشامل، إلى طرح فكرة إنطلاق التدقيق الجنائي من الصفقات العمومية في إدارة المناقصات، وفي الادارات الرسمية باعتبار انها تشكل واحة لعبث المفسدين والفاسدين. وقال: «يجب ضمّ صفقة بواخر الكهرباء عام 2012-2013 و2018 لأنها مخالفة للدستور، ولدينا هيئة تفتيش مركزي لا تقوم بعملها، كما يجب التدقيق في صفقات الفيول التي قام بها مجلس الوزراء عام 2017، بحيث أنّها كانت صفقات احتيالية بامتياز».