منذ ان اندلعت الحرب الاهلية في لبنان قبل 47 عام وصودف ذكراها امس، فتوقفت المبادرات الداخلية والخارجية للمساعدة في الحل. فحضر موفدون لرؤساء وزعماء دول اجنبية وعربية ووزراء خارجية وغيرهم، وعقدت مؤتمرات حوار بدأت في السراي الحكومي، مع الاشهر الاولى للفتنة وانتقلت الى دمشق والرياض والقاهرة وجنيف ولوزان ثم تونس فالكويت والجزائر، ولم تتوقف الا بعد التوصل الى اتفاق الطائف الذي اوقف الحرب الداخلية ولم يعالج اسبابها وهي كثيرة، منها ما له علاقة بمطالب اصلاحية في النظام السياسي ورد بعضها في نصوص وثيقة الوفاق الوطني لكنها لم تطبق وفي غالبها صراع دول ومصالحها ونفوذها في لبنان، كموقع جيو- سياسي ويطل على البحر الابيض المتوسط.

وبعد اتفاق الطائف الذي رعت سوريا تنفيذه، ولم تفعل سوى توحيد السلطة والمؤسسات وازالة المعابر وجمع بعض السلاح وحل الميليشيات، لكنها لم تساهم في عبور لبنان الى نظام سياسي لا طائفي، بإلغاء المادة 95 من دستوره واصدار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، بل اكتفى الراعي السوري من خلال نظام امني بأن ادار الازمة وحل الخلافات بين اركان الحكم التي كانت تدور حول المحاصصة والمغانم وتحقيق مكاسب في السلطة ومنها اذ يستعيد مصدر سياسي، كيف انه لم تحصل ازمات سياسية او دستورية كبرى في زمن الوجود السوري فلم يكن تشكيل الحكومة يأخذ وقتا طويلا فكانت المراسيم تصدر فورا وكذلك انتخابات رئاسة الجمهورية للياس الهراوي واميل لحود، والتمديد لهما، اذ صدر عنوان في صحيفة الاهرام المصرية كلام منقول عن الرئيس حافظ الاسد، ان الشعب اللبناني اختار اميل لحود رئيسا للجمهورية، ليقف السجال السياسي ويدعى مجلس النواب لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية ويفوز لحود.

وما اشبه اليوم بالأمس، لجهة وجود مبادرات وتحرك وساطات، وارسال موفدين من الدول المهتمة والمعنية في لبنان، واقتراح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مبادرة لحل الازمة، لكنها ما زالت تدور في حلقة مفرغة، يقول المصدر الذي يرى، بان الزخم الذي رافق المبادرة، بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020، والعطف الذي حصل عليه اللبنانيون من شعوب العالم، خفّ وتراجع، لان المهتمين بلبنان توصلوا الى نتيجة بأن القوى السياسية الفاعلة، لا تقدم المساعدة للبنان، والاتفاق على حكومة مهمة، او انقاذ او اي اسم آخر.

فالمبادرة الفرنسية اجهضت من قبل الاطراف السياسية التي التقاها الرئيس ماكرون في قصر الصنوبر قبل نحو ثمانية اشهر، لانها لم تلتزم بالوعد الذي قطعته له، تسهيل ولادة حكومة بعد ان ترشح لرئاستها سعد الحريري، الذي تموضع على عدد 18 وزيراً من غير الحزبيين واصحاب الاختصاص، وبانه يعمل تحت سقف المبادرة الفرنسية، التي ووفق المصدر، لم تعد هي نفسها التي طرحها صاحبها، وكان يحث ان لا تكون من قوى سياسية، بل ان تحصل على دعمهم لحكومة، اختير لرئاستها السفير مصطفى اديب، ليكون اعضاءها مثله، اكاديميين وتكنوقراط، متحررين من مصالح السياسيين، لكن مثل هذه الحكومة لا تشكل في لبنان، الذي يحكمه نظام طائفي، وديموقراطية سميت توافقية، فلم يعد الرئيس الفرنسي متمسكا بشكل ما للحكومة، او بعدد اعضائها، بل اوصى بان تكون نتاج اتفاق داخلي، وسهّل لكل من ينجح في لبنان، ان يساعد في تقريب وجهات النظر بين الاطراف، لا سيما الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري، والاخير والوزير جبران باسيل، لكن لم ينجح اي طرف داخلي بوساطته سوى التحرر من 18 وزيراً الى 24، دون الثلث الضامن لاي طرف داخل الحكومة، لكن حل هاتين العقدتين، لم يحل معهما، توزيع الحقائب، كما اسميْ الوزيرين المسيحيين، من خارج التوزيع السياسي، بعد اقرار رئيس الجمهورية ان تكون تسميتهما من حقه.

فالمبادرة الفرنسية معلّقة بقرار من صاحبها ماكرون والى حين، ولا يؤتي على ذكرها، سوى ما اعلنه الرئيس عون بأن «التدقيق المالي الجنائي»، هو جزء منها، وحلقة اساسية من حلقات الاصلاح المطلوب دولياً، كشرط لتقديم مساعدات وقروض، وانقاذ الوضع المالي المتدهور، اذ يرى المصدر، بان التحرك العربي الذي حصل مؤخرا باتجاه لبنان، سواء من وزير الخارجية المصري سامح شكري، او الامين العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي، كان استطلاعياً، واظهر شكري وزكي حركتهما بانها منحازة، لفريق سياسي، وداعم للرئيس الحريري، وان عدم لقائهما بمسؤولين في «حزب الله»، وبرئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، تأكيد على انهما ليسا وسيطين، وهما ليسا على مسافة واحدة من الجميع، فلا يحملان مبادرة.

فالحل باتجاه تشكيل الحكومة، مستبعد داخلياً مع تعثر التسويات التي طرحت من اكثر من طرف، ومنها افكار تقدم بها الرئيس نبيه بري، والنائب السابق وليد جنبلاط، و»حزب الله»، واللواء عباس ابراهيم، لكنها لم تصل الى نتيجة ايجابية، بل دوران في حلقة مفرغة.