كما لو أن هناك قراراً في مكان ما لتصفية (أو لصوملة) لبنان. لا هونغ كونغ ولا هانوي بل مقاديشو. لو كان الشيطان هنا، وهو هنا فعلاً، لما عثر على أفضل من الطبقة اياها لتتولى تنفيذ حلقات السيناريو بذلك الاتقان. ما يحدث الآن اللعب داخل الحلقة الأخيرة.

لا حاجة للبنانيين لكي يتابعوا المسلسلات الرمضانية المملة. هم الآن أبطال (وضحايا) المسلسل الذي ينتهي بانتهاء «الوديعة الفرنسية». ولطالما أوحي لنا بأنها ما تبقى من الوديعة الالهية في هذا الشرق. ها أن قهقهات يهوه تتناهى الينا، وهو يرى كيف نقترب، بخطى حثيثة، من بوابات الدم...

لم يعد السؤال «الدولة البديلة أم النظام البديل ؟». لا أحد يبالي بموتنا. حتى الاشقاء يبحثون عن ذريعة لتحطيم عظامنا (المحطمة) بعدما دعاهم جاريد كوشنر، زوج السيدة ايفانكا، الى وضع حد لتلك الظاهرة الارهابية التي حالت دون «صفقة القرن» والرقص فوق ظهورنا.

لا شيء ينقصنا لنكون النسخة البهية عن لوحة بابلو بيكاسو. غرنيكا سياسية، وغرنيكا اقتصادية، وغرنيكا سوسيولوجية. «الفايننشال تايمز» لاحظت أن اللبنانيين خارج لبنان هم غير اللبنانيين داخل لبنان. اذاً، أين تنتظرنا المخيمات، في سوريا التي لا قبل لها باستيعاب نازحيها أم في اسرائيل التي تفضل أن ننتهي في القبور لا في الخيم ؟

لسنا في أجندة أحد. هكذا نعامل كسقط المتاع. ايرفيه دوشاريت، وزير الخارجية الفرنسية السابق، قال لنا «أنتم ضحايا كونســـورتيوم الغاز». كاد يقول أن اسرائيل هي نجمة هذا الكونسورتيوم في حوض المتوسط. كل من يعترض لا موطىء قدم له في هذا الفردوس.

على كل، آلون بن ديفيد، المعلق في القناة العاشرة الاسرائيلية، لا يرى فينا سوى «جاليات» زرعت عشوائياً على هذه الأرض. كل جالية يفترض أن تعود الى المكان الذي أتت منه، أو الذي تنتمي اليه. ألا ينطبق هذا الكلام، تحديداً، على النموذج الاسرائيلي ؟ لكنه المنطق الاسبارطي (التوراتي) الذي لا يرى في الآخرين، كل الآخرين، سوى أنواع متقدمة من القردة!

الحل لم يعد لا في اعادة النظر في الدولة، ولا في اعادة النظر في النظام. ثمة اسقف بارز يسأل «أين هم المسيحيون في لبنان، بعدما حولت وثيقة الطائف القصر الجمهوري، في رأيه، الى جناح للسراي الحكومي ؟». لم يبق هناك سوى لقب صاحب الفخامة.

أما السنّة والشيعة فهم ماضون في التعبئة الغرائزية التي لا تحتاج الى أكثر من عود ثقاب. كيف لبلد أن يقوم، أو أن يبقى، على ثقافة الكراهيات، وعلى صراع الكراهيات؟

ونحن داخل هذه الكورونا السياسية، والاقتصادية، بدا الظهور الدراماتيكي لمافيا الكبتاغون لتضاف الى المافيات الأخرى التي تأكل ما تبقى من البلد. حقاً، لم نعد ندري أي مافيا تقودنا، كظلال بشرية، الى الهاوية، ربما ما بعد الهاوية.

لنتوقف قليلا عن تسويق اليأس، وقد أصبحنا بين الراحتين، راحة الياس وراحة الموت. المقابلة الطويلة مع الأمير محمد بن سلمان فقط ليقول ان بلاده تريد «علاقات طيبة» مع ايران. هل نتفاءل ؟

قد تكون هذه نافذتنا الأخيرة في الحلقة الأخيرة من السيناريو، والتي يمكن أن تذهب في الاتجاه الآخر. في هذه الحال، من تريد الرياض رئيساً لحكومتنا ؟ لافت تنويه بهاء الحريري بقرار جو بايدن حول مجزرة الأرمن على يد السلطنة.

هذا ما يستتبع السؤال البديهي. هل اسطنبول باتت مرجعية الرئيس سعد الحريري بعدما بدا واثقاً بأن أبواب قصر اليمامة لن تفتح أمامه ولو طاف الدنيا ؟ ماذا عن أبواب البيت الأبيض، بعدما اقتصر كلامه مع فلاديمير بوتين، ومن الفندق القريب، على مكالمة هاتفية ضاعت بين مشاغل القيصر في البحر الأسود؟

للوهلة الأولى، ربما للوهلة الثانية، ألا نبدو كما لو أننا في الجحيم، ثم نراهن على الهروب من الأبواب الخلفية. ألى أين ؟!