وجّه وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان خلال زيارته الأخيرة الى لبنان، «إهانة» غير مباشرة الى جميع المسؤولين اللبنانيين من خلال حصر مواعيده الرسمية بالزيارتين اللتين قام بهما الى كلّ من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، والتي أعلن أنّها زيارات بروتوكولية ليس أكثر. غير أنّ مصادر سياسية مطّلعة رأت بأنّ الإهانة أو الإساءة الكبرى من قبل فرنسا كانت للرئيس المكلّف سعد الحريري شكلاً، سيما وأنّ لودريان التقاه في قصر الصنوبر ولم يزره في بيت الوسط،ومضموناً من خلال ما أسمعه من كلام خلال هذا اللقاء.. ما يُحتّم على الحريري التحرّك اليوم، وإن كانت مسألة تشكيل الحكومة، يجدها البعض، مرتبطة بشكل أساسي بالدول الخارجية أكثر من ارتباطها بالتوافق الداخلي.

وأضافت المصادر، بأنّه عند تكليف الحريري منذ نحو 7 أشهر (في 22 تشرين الأول 2020) بتشكيل الحكومة، أعلن عن رغبته بتشكيل «حكومة مهمّة» إنقاذية لمدّة ستّة اشهر، على ما نصّت المبادرة الفرنسية، من إختصاصيين مستقلّين تقوم بتحقيق الإصلاحات الجديّة المطلوبة. ومع تعثّر التأليف بقي الحريري مصرّاً على موقفه هذا طوال أشهر التكليف الماضية، ومتمسّكاً بتطبيق هذه المبادرة بمندرجاتها كافة، على ما كان يؤكّد في كلّ فرصة، في الوقت الذي يتحدّث فيه سياسيون آخرون عن فشل هذه المبادرة أو موتها منذ زمن... وكان الحريري يعتقد بأنّ فرنسا هي القوّة الدولية الوحيدة الداعمة له، منذ أن تدخّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تشرين الثاني من العام 2017 لفكّ احتجازه وتوقيفه من قبل السعودية، حيث كان قد أعلن استقالته منها في الرابع من الشهر نفسه. علماً بأنّ التدخّل الفرنسي جاء نتيجة الحملة الداخلية التي قادها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون معلناً أنّ «الحريري محتجز وموقوف في السعودية»، وقد أُرغم على تقديم استقالته من الرياض.

غير أنّ أداء لودريان خلال زيارته الأخيرة خيّب أمل الحريري، الذي يبدو أنّه هو أيضاً خيّب أمل فرنسا من خلال عدم تمكّنه من تشكيل الحكومة الموعودة طوال الفترة الماضية التي أعطته فيها فرنسا «فرصة جديدة» في كلّ مرّة. حتى أنّ الحريري كان يتمسّك بهذه «الفرصة الذهبية»، ويُعلن عنها محذّراً المسؤولين اللبنانيين بأنّها «قد تكون الأخيرة». ولأنّ حساب الحقل لم يأتِ وفق حساب البيدر، على ما أشارت المصادر، فإنّه على الحريري أن يُعيد حساباته بعد «تخلّي» الأمّ الحنون عنه لفشله في تنفيذ ما وعد به.

من هنا، فإنّ الخيار الأنسب للحريري وللبلد في الوقت الراهن، ليس الإعتذار، على ما أكّدت المصادر نفسها، إنّما السعي للتوافق مع الرئيس عون لتشكيل حكومة منسجمة وقادرة على إنقاذ لبنان والشعب اللبناني من الوضع الإقتصادي والمالي الخطير الذي وصل إليه، والذي يُتوقّع أن يتفاقم أكثر فأكثر خلال الأشهر المقبلة. وأوضحت أنّ الحريري ليس في موقف يُحسد عليه اليوم، ولم يكن كذلك حتى عندما جرى تكليفه بعدد قليل من النوّاب (65 صوتاً من أصل 120 مع استقالة 8 نوّاب من البرلمان)، ما يُشير الى تخلّي كتل نيابية عدّة عنه لرئاسة الحكومة. ولكن باتت الخيارات المتاحة أمامه تضيق تدريجاً، ولهذا عليه اختيار أحلاها مرّاً لإنقاذ نفسه وبلده.

وبناء عليه، فعلى الحريري إدارة ملف التكليف بشكل أفضل، على ما عقّبت المصادر، في حال بقي مصرّاً على ترؤس الحكومة المقبلة. فقد أظهرت المحاولتين الأخيرتين، إن كانت حكومة الرئيس حسّان دياب، أو تكليف السفير مصطفى أديب، بأنّ الحريري لا يزال الشخصية السنيّة الأفضل القادرة على شدّ عصب الطائفة السنيّة والأكثر تمثيلاً لها، فضلاً عن قدرته على اجتذاب دول الخارج لا سيما في حال تمكّن من تشكيل الحكومة المنتظرة، رغم محاولة شقيقه بهاء الدين الحريري الدخول على خطّ لعب دور «السنّي الأقوى»، وإن بخجل.

ولهذا، أمام الحريري خيارات عدّة، عليه اختيار إحداها اليوم قبل الغد، على ما أشارت المصادر، سيما وأنّ ورقة التكليف لا تزال في جيبه. ولكن عليه استخدام هذه الورقة، والإتجاه نحو التشكيل، لا أن يُبقي عليها حيث هي، كونه الخيار الأفضل والأنسب له. فإذا استمرّ مكلّفاً من دون أن يسعى الى تأليف الحكومة، فإنّ هذا الأمر من شأنه أن يزيد الأزمة الإقتصادية والمالية تدهوراً، ولا بدّ من أن ينعكس في نهاية المطاف سلباً على الحريري نفسه وعلى سواه من المسؤولين، كما على البلد ككلّ. أمّا في حال اعتذر عن التأليف، وهو الخيار الثاني السيىء أيضاً، فإنّ هذا الإعتذار سيُضعفه سياسياً الى درجة أنّه سيكون مضطراً للبدء بالتحضير للإنتخابات النيابية المقبلة منذ الآن، إذ أنّ حصوله فيها على المقاعد نفسها التي يحظى بها «تيّار المستقبل» اليوم سيُصبح أمراً شبه مستحيل.

يبقى الخيار الأخير وهو استخدام ورقة التكليف، وتقديم «التنازلات» إذا صحّ القول، للتمكّن من التشكيل في أسرع وقت ممكن. وصحيح بأنّ هذا الخيار يجعل الحريري يخوض مغامرة غير مضمونة النتائج، على ما أضافت المصادر، غير أنّه إذا تمكّن من التوافق مع رئيس الجمهورية وإن قام ببعض التنازلات، إلاّ أنّه سيرأس حكومة فاعلة ومنتجة تُنقذ البلاد من أزماتها المتفاقمة. كما أنّ هذا الأمر من شأنه مساعدته على تحسين حظوظ تيّاره في الإنتخابات النيابية المقبلة. فمناصروه يمانعون اليوم فكرة «التنازل»، كونه تنازل، من وجهة نظرهم، عندما عقد التسوية مع الرئيس عون، ولكن إذا أدّت الى إنقاذ البلاد سيعودون لدعمه خلال الإنتخابات النيابية، وإن كان وضعه المادي لم يعد كما كان عليه في السابق.

من هنا، فإنّ انكباب الحريري على تشكيل الحكومة، بعد زيارة لودريان الأخيرة، من شأنه أن يعيد ثقة فرنسا والإتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بالتالي به، كما سيفيده خلال الإنتخابات النيابية في ايّار من العام المقبل، بحسب المصادر، علماً بأنّه منذ الآن لا يُمكن معرفة وفق أي قانون سوف تجري هذه الأخيرة. وليس عليه التردّد بعد الآن، سيما مع خلط أوراق اللاعبين الإقليميين، فالسعودية تسعى للتوافق مع إيران، وتتحدّث مع تركيا، ما يعني بأنّ المعطيات الإقليمية سوف تتبدّل قريباً وقد تصبّ في مصلحته، شرط أن يتحرّك، ولا يُبقي على الملف الحكومي «مجمّداً».

فهل يتحرّك الحريري سريعاً لإنقاذ نفسه والبلد بعد أن أحرجته فرنسا ولم تُنصفه أو تُميّزه عن بقية المسؤولين اللبنانيين، على ما كان يُمنّي النفس؟ّ فالإقتراحات التي تُدرس اليوم للخروج من الإنهيار تتناول إمكانية الذهاب نحو حكومة إنتقالية أو حكومة عسكرية برضى رئيس الجمهورية أو أي حكومة أخرى يُعمل على إنتاجها، بهدف الدفع نحو الإنقاذ وتحسين الوضع الإقتصادي في البلاد لا سيما بعد رفع الدعم وتوقّع غلاء فاحش لأسعار المواد الغذائية والمستلزمات كافة خلال الأشهر المقبلة؟!