كلمة يتغنّى بها الكثيرون في شتّى المجالات والميادين، وربما تكون هذه الكلمة موجودة عند الآخرين وهم لا يدرون بها!

ما هي الثقافة؟

هل هي مكتسبة؟

ما هو مصدرها؟ ما هي فائدتها؟

ما هو الفرق بين الثقافة والعلم؟

تناول الكثيرون من الفلاسفة والمثقفون والعلماء معنى الثقافة بالعنوان العريض وكتبوا عنها الآلاف من المقالات والدراسات، كتبوا عن ماهيتها ومصدرها وتنوعها وفائدتها وأثرها في حياة الانسان والمجتمع.

كلنا يعرف مدى حاجتنا للثقافة العامة في الكثير من المجالات، وفي الكثير من المواقف اليومية وبالأخص في الكثير من حاجياتنا. نحن نُصنّف المثقف على انه متعلّم وقارىء وكاتب ومتحدّث لبق. هل هذا التصنيف صحيح؟ أم هناك أمور أخرى يجب على المثقّف اتقانها والاطلاع عليها؟

ما هي حدود الثقافة؟ ما هي أطر المعرفة؟ وما هو دورنا في استعمال كل هذه المعلومات وكيف لنا الاستفادة منها؟

كيف نجيّر كل ما نعرف لخدمة المجتمع والوطن ولمجد الله؟

يولد الانسان ويدخل هذا العالم دون أي فكرة مسبقة عنه، ويبدأ مشواره في الحياة فتتشكّل شخصيته وينمو فكره فتتأثر سلوكاته ومعتقداته فتكون له مواقفه الشخصيّة وقيمَه الذاتية للكثير من الامور، وكل ذلك نابع من محيطه ومن اختباراته وخياراته ومن تجاربه ومن الثقافات المتغيّرة التي يمرّ بها هذا الانسان الفرد.

هنا يمكننا القول ان الثقافة هي الى حدّ كبير مكتسبة، لكن ليست ثابتة، فهي مزيج، حسب ادوارد تايلور، من الايمان والفن والاخلاق والقانون والعادات والتجارب والقدرات والمعارف و...

فكل زمن يحمل معه ثقافته وعاداته وتقاليده، فلا يمكننا القول ان الثقافات الجديدة هي سيئة، لا، بل وليدة الزمن الراهن ونتيجة عوامل كثيرة حديثة صنعها الانسان. هذه الثقافة المتغيّرة، ضرورة لاستمرار الحياة، ففي ايام ارسطو كانت الثقافة محصورة ضمن اللغات والطب والفلك والرياضيات، اما في ايامنا هذه، في هذه الازمنة الجديدة، فهناك معارف جديدة ومصطلحات جديدة، بل لغة جديدة يلزمها عمل جديد ومقاربة مختلفة جديدة.

انطلاقا من كل هذا، كيف على المثقّف أن يحافظ على ثقافته؟

ان مواكبة العلوم والتكنولوجيا ومعرفة كل جديد ومواكبة التطوّر الصناعي والمعرفي /الرقمي ومحاكاة مفاهيم ولغات وتعابير هذه المعارف الجديدة، هي بحدّ ذاته انجاز مبدئي وهو بداية المشوار في الحفاظ على ما نملك من ثقافة. والأهم من ذلك كيفية تجيير كل جديد لخدمة الثقافات التقليدية واستثماره في تقدّم المستوى الفكري للمثقف بشكل خاص وفي خدمة المجتمعات وتطوّرها بشكل عام.

إذاً علينا أن نسأل أنفسنا:

ماذا نعرف؟ وماذا لا نعرف؟

ما هي حاجاتنا وما هي أولوياتنا؟ وما هي أهدافنا؟

هنا يمكننا ان نتكلم عن الثقافة المتخصصة والموجّهة. فالثقافة عند الانسان هي معرفة بقدر استطاعته ومدى تجاوبه مع هذا المتغيّر من حوله. هو الوحيد الذي يدرك حاجته لها ومقدار المعرفة الذي يريد ونوع الثقافة التي يبغي تطويرها والانفتاح عليها.

فالمجتمعات تختلف عن بعضها في تحديد مفهوم الثقافة، فهناك من يضع في أولوياته الثقافة الفنيّة كالموسيقى والرسم والنحت والادب والشعر... وهناك من يأخذ على عاتقه التطور التكنولوجي والصناعي والثقافة الرقمية الحديثة، وهناك من يهتم بالثقافة الرياضية، اذ يرى القيّمون في هذه المجتمعات، ان الرياضة هي اساس بنية الانسان وصحته.

وفي الكثير من المجتمعات يدرك القيّمون أن العلم والدين هما أساس المعرفة ومهد الثقافات.

من هنا يبدأ الصراع بين العلم من جهة والدين من جهة أخرى وبين الدين والعلم من جهة والثقافة المتغيّرة من جهة اخرى.

من وجهة نظري أرى أن العلم وقواعده هي مفاهيم عالمية اذ ان التغيّر في هذه المفاهيم هو بطيء عبر الزمن، اما الثقافة العلميّة الحديثة فهي متغيّرة من أمّة الى اخرى ومن بلد الى آخر بل من دين الى آخر وهذا التغيير يكون سريعآً حسب نمو وتطور وانفتاح هذه المجتمعات. فكل مجتمع له هويته وخصوصيته وبالتالي له ثقافته ومصادرها، فمنها من يستقي الثقافة من الدين مباشرة ومنها من يعتمد على الأبحاث العلمية البحتة فقط ومنها من يمزج بين الدين والعلم وآخرون يعتمدون على ما تحتاج اليه مجتمعاتهم فيقومون بتوجيه المجتمع الى ثقافة معينّة ومتخصصة وتكون في أغلب الاحيان معلّبة.

هنا يمكننا ان نفهم معنى «صراع الحضارات والثقافات عبر التاريخ»!

لا ننسى ايضاً مفهوم الانتشار والتبادل، فكل ذلك يعود الى انفتاح المجتمع وتقبّل الثقافات الوافدة، فالعلم يمكن ان يتم تبادله بين الشعوب دون اي محظورات، أما الثقافات فهي مقيّدة ومرهونة بمواقف الكيانات والدول ومخططاتها.

من ناحية اخرى، نرى كيف أن الثقافة والعلم يفترقان من حيث الاسلوب والمضمون، فطريقة اكتساب العلوم البحتة تحصل من خلال البحث العلمي والدراسات العميقة، بينما الوصول الى الثقافة يكون من خلال الاستكشاف وسلوكيات الشعوب ومدى انفتاحها وحبّ التغيير فيها.

أخيراً وبالعودة الى عنوان المقال، ارى انه عليّ ان اقرأ واقرأ واقرأ في الدين والفلسفة والطب والعلوم والقانون والادب والاقتصاد والمال والتاريخ والتكنولوجيا و... كي اقف على عتبة الثقافة.

في الختام، ادعو كل مثقف ان يواظب على التعلّم دون ملل وكل متعلّم ان يوسع مجال ثقافته، فلا للعلم حدود ولا للثقافة أطر زمنية، فالثقافة والعلم متغيّران متناسبان، فكلما زاد متغيّر منهما زاد الآخر ولكن للثقافة الشاملة اثر في المجتمع يفوق العلوم ومفاهيمها، فالثقافة أبقى في الأذهان عندما ننسى كل شيء!