لا سبيل للاختباء وراء الجدران الزجاجية. أكثر من جهة دولية (ومؤثرة) باتت تعتقد، بل وتجزم، أن لبنان الذي في حالة احتضار، بحاجة الى عملية جراحية (بنيوية)، لأن الابقاء على الصيغة الراهنة بات مستحيلاً اذا ما أخذنا بالاعتبار مدى الاختلال الدراماتيكي في موازين القوى الديموغرافية، والسياسية، والطائفية.

هذا الكلام يتلقفه كرادلة، من أصحاب النفوذ، في الفاتيكان. وبعضهم يتولى الاتصالات الخارجية الحساسة، ليطرحوا مسألة مصير المسيحيين على الطاولة. اما الكانتونات في اطار كونفديرالي، أو الدولة المستقلة، أو الترحيل الى البلدان الأوروبية والأميركية!

قيادات مسيحية على تواصل مع الفاتيكان تتبنى، بقوة، خيار الدولة الانفصالية، وفي أسوأ الاحتمالات الدولة الكونفديرالية، مع اقتناعها بأن الوصول الى ذلك الاختيار يحتاج الى انفجار أمني واسع النطاق، وقد يلامس الحرب الأهلية، باقفال بعض المناطق، وفرض نوع من الادارة الذاتية فيها. المرافئ جاهزة لأي مهمة...

الجهات الدولية اياها ترى أن الصراع السني ـ الشيعي المبرمج اقليمياً، ودولياً، ولأغراض جيوسياسية، أو لأغراض جيوستراتيجية، أظهر هشاشة الحالة اللبنانية وعدم قابليتها للاستمرار، الصراع اياه الذي أدى الى زعزعة دول مثل سوريا، والعراق، واليمن، وصولاً الى النموذج اللبناني الذي فقد بريقه كلياً، ليتحوّل الى عالة ان في لعبة الأمم أو في لعبة القبائل.

اللافت، في هذا السياق، ظهور تعليقات، أو أبحاث، ترى أن المجتمعات السنية والشيعية التي أنتجت ظواهر راديكالية مدمرة، انما تعيش تحت خط القرن، ولا تمتلك لا ديناميات بناء الدول، ولا ديناميات اعادة بناء الدول.

الدوران السيزيفي داخل الأزمة يثبت أن جدلية الانهيار تعدت امكانات، وبهلوانيات، الطبقة السياسية التي لم يعد أمامها سوى اللجوء الى اللغة الببغائية اياها. انظروا الى وجوههم الضائعة، وهي البعيدة كلياً عن أوجاع الناس، وعن أنين الناس، وعن قنوط الناس،كما لو أن هؤلاء ينتظرون سيناريو ما يجري اعداده في مكان ما، ويضع لبنان أمام احتمالات لا مجال لأحد أن يتكهن بطبيعتها.

كلنا نعلم أننا أمام طراز من القيادات العمياء. لم يعد يعنيها سوى حماية قصورها، وحماية ثرواتها، وحماية عائلاتها التي تتأهب للالتحاق بالأموال المنهوبة وقد أودعت في المصارف الأجنبية، لأن حرائق جهنم تقترب أكثر فأكثر من  الأبراج العالية...

كلام خطير يتردد في بعض المناطق. سوق السلاح على قدم وساق. ثمة قيادات حزبية مسيحية تتولى التعبئة السيكولوجية بانتظار الحدث، وهي تبشر بالخلاص بـ"بنادقنا"، لا بصناديق الاقتراع التي كما لو أنها صناديق العجائب، ولا بشعارات الشوارع.

من يتصور أن وليد جنبلاط الذي يرى الاحتمالات حتى في حجارة قصر المختارة، يمكن أن يزور طلال ارسلان ويلتقي هناك وئام وهاب، دون أن تكون لديه توقعاته حول المفترق التاريخي، ان لم يكن المفترق الوجودي، الذي ينتظر لبنان ؟ مسألة الشبكة الاجتماعية، والحماية الاجتماعية لذر الرماد في العيون.

لعبة "توم اند جيري" بين سعد الحريري وجبران باسيل تجري على هامش الاحتمالات. أكثر من معنى تنطوي عليه زيارة الرئيس المكلف لرجب طيب اردوغان، القطب الثالث في الخارطة الاقليمية مع السعودية وايران، وصاحب الايدي البشعة في سوريا، وفي العراق، وفي ليبيا. وها هو يعرض نفسه كحصان للايجار في أفغانستان.

مشاهد سريالية وراء الستار. لعل بهاء الحريري آثر الانسحاب من تلك المتاهة. اختار الولوج من البوابة الاجتماعية، وهذا هو الخيار السوي، بدلاً من الخيار السياسي في هذه الظروف، والذي لا يوصل لا الى السراي ولا الى ساحة النجمة، ولا الى أي مكان آخر.

أمام تلك الاحتمالات الغامضة، أليس من مصلحة الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري التوافق على أي حكومة، حتى ولو كانت من حكومة اختصاصيين بحنكة غوار الطوشي، ما دام صندوق الدولي سيكون فوق كل سلطة، وفوق أي مؤسسة دستورية ؟

ولتكن نهاية "توم اند جيري" في ... جمهورية "توم اند جيري"...!!