لا حكومة قريباً... من دون توافق الفريقين المتنازعين في الداخل والخارج

تُحاول الولايات المتحدة الأميركية العمل مع حلفائها على تحديث المبادرة الفرنسية التي دعمتها عندما أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الثانية الى لبنان في الأول من أيلول الماضي بعد اجتماعه مع أقطاب الأحزاب اللبنانية، رغم أنّها لم تضغط خلال الأشهر الماضية على حلفائها المعنيين للمضي بها. وكان القادة التسعة الذين التقوا الرئيس الفرنسي في قصر الصنوبر يومذاك تعهّدوا أمامه بموافقتهم على هذه المبادرة والسعي لتنفيذ جميع مندرجاتها. هذه المبادرة الني نصّت على تشكيل حكومة إنقاذية لمدة 6 أشهر تعمل على تحقيق الإصلاحات المطلوبة من الداخل والخارج، لم تُطبّق رغم مضي 11 شهراً عليها. كما لم يتحقّق منها أي شيء رغم المرونة التي أبدتها في ما يتعلّق بمحلة تشكيلها أو بنوعها كأن يتمّ تشكيل حكومة انتقالية، أو حكومة انتخابات، أو حكومة أقطاب، أو حكومة وحدة وطنية، على ما جرى التداول به بهدف تسهيل التأليف.

واللافت، بحسب أوساط ديبلوماسية متابعة، أنّ الدول الداعمة للمبادرة التي كادت تحتضر مرّات عدبدة لولا إعادة إحيائها من خلال زيارات بعض المسؤولين الفرنسيين مثل وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان، والسفير المكلّف بتنسيق المساعدات الدولية في لبنان التي أُقرّت في مؤتمر «سيدر» بيار دوكان، لم تسعَ جديّاً لتنفيذها طوال الفترة الماضية. وقد انتظرت هذه الأخيرة كلام الأمين العام لحزب الله الأخير الذي أعلن فيه أنّنا أمام أيّام حاسمة للتشكيل حتى انتفضت وتداعت لإيجاد حلّ للأزمة السياسية في لبنان «من خارجه».

وتقول الاوساط إنّ ما لم تستطع هذه الدول مجتمعة تحقيقه خلال الفترة الماضية، لا يُمكنها فرضه اليوم، وإن أظهرت اهتماماً «واهياً» بإنقاذ لبنان، سيما أنّ حلفاءها في لبنان لا يُمثّلون سوى شرائح معيّنة من المجتمع اللبناني، كما من الأطراف والأحزاب السياسية. وترى أنّه من أي جهة أتت عرقلة تشكيل الحكومة، فإنّ التجارب السابقة قد أظهرت أنّ عدم توافق جميع المكوّنات السياسية الأساسية في البلاد يُبقي الجمود سيّد الموقف، وإن تدخّلت أهم دول العالم لحلّ الأزمة اللبنانية.

من هنا، فإنّ أميركا وفرنسا والسعودية تُحاول اليوم معاً، على ما أشارت الأوساط عينها، «تحديث المبادرة الفرنسية» علّها تتمكّن من تسهيل تشكيل الحكومة، وخصوصاً أنّها تربط حصول لبنان على المساعدات الدولية بولادة الحكومة، لكي يكون هناك جهة رسمية تستطيع توقيع العقود والاتفاقات مع صندوق النقد الدولي ، غير أنّ المناكفة الداخلية بين المسؤولين المعنيين بتعطيل تشكيل الحكومة، قد تحوّلت الى مناكفات دولية، على ما أكّدت، مع الأسف، بدلاً من توافق الدول المتنازعة فيما بينها، وانعكاس هذا الأمر بشكل إيجابي على لبنان وعلى المسؤولين فيه.

وفي ما يتعلّق بالمؤتمر الدولي الثالث لدعم الشعب اللبناني الذي تعمل باريس على التحضير له والذي سينعقد قبل نهاية الشهر الجاري، فيهدف مثل المؤتمرين السابقين، على ما أضافت الاوساط، الى تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اللبناني،علماً بأنّ أهميته تكمن في حضور عدد من رؤساء الدول والحكومات، رغم أنّ الحكومة اللبنانية الحالية مستقيلة، وقد ناشد رئيسها حسّان دياب منذ أيّام دول العالم مدّ يدّ المساعدة للبنان، محذّراً من الإنفجار ومن وقوع الكارثة، ومطالباً بعدم ربط تقديم المساعدات بتشكيل الحكومة الجديدة كونه يعلم أنّها لن تتألّف في المدى المنظور.

وعن تداعي الدول المذكورة لمساعدة لبنان، بعد حديث السيّد نصرالله عن أنّه بانتظار لبنان أيّام حاسمة لتشكيل الحكومة، سيما أنّه يدعم مبادرة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، فذكرت الاوساط بأنّها أرادت قطع الطريق على مقترحات إنقاذية لا تكون هي جزءا منها. علماً بأنّ مبادرة برّي أتت استكمالاً للمبادرة الفرنسية وليس ضدّها أو عكسها. غير أنّ محاولتها هذه ستبوء بالفشل، على ما أكّدت الاوساط، لأنّ هذه الدول لا يُمكنها الاستئثار بالساحة السياسية الداخلية بمجرّد أن اجتمعت أو عقدت «اتفاقاً» أو حلفاً خارج لبنان، ووضعت لبنان الرسمي جانباً، كونها فتّشت عن «قيادة جديدة» في صفوف المنتفضين في 17 تشرين من العام 2019 غير أنّها لم تجدها.

من هنا، ترى الأوساط عينها،أنّ المسألة لم تعد تتعلّق باعتذار الرئيس المكلّف سعد الحريري، كون السعودية لا تزال ترفض ترؤسه الحكومة الجديدة، وتسميته لشخصية سنيّة تُوافق عليها، أو عدم اعتذاره، إنّما بإمكانية التوافق على شخصية سنيّة تُرضي الرياض من جهة، ويُوافق عليها «الثنائي الشيعي» و «التيّار الوطني الحرّ» من جهة ثانية، لأنّه من دون موافقة هذه الأطراف السياسية، فمن غير الممكن تشكيل حكومة جديدة ونيلها الثقة في مجلس النوّاب.

وكان قد ظهر جليّاً خلال الأشهر الماضية، أنّ فرنسا بمفردها غير قادرة على إنقاذ لبنان، وإن كانت مبادرتها تحظى بالموافقة الأميركية عليها، لأنّها لم تضغط لتطبيقها. لهذا بحثت الدولتان عن حليف عربي لهما يُمكنه، من وجهة نظرهما، الضغط في الداخل لتسريع تشكيل الحكومة. فكان هذا الحليف «السعودية» التي لا تزال تضع «فيتو» على الحريري، كونه عقد تسوية سياسية مع العماد ميشال عون أوصلته الى قصر بعبدا، وهو الى السراي الحكومي. وأكمل هذه التسوية بالتوافق مع «الثنائي الشيعي»، وذلك خلافاً لما تريده الرياض وأميركا، ولا تعارضه فرنسا بالمطلق كونها لا تُمانع التحاور مع سوريا وإيران.

ولهذا، فإنّ تشكيل الحكومة لن يحصل قريباً، على ما جزمت الاوساط ، لأنّه لا توافق حتى الآن على أي بديل عن الحريري تُوافق عليه جميع الأطراف السياسية. وإذا ما وُجد فإنّه سيكون ميّالاً الى أحد الفريقين المتنازعين، ما يجعل وضعه كوضع «الثلث المعطّل» الذي أوقف ولا يزال يوقف تشكيل الحكومة، سيما أنّ كلّ فريق يخشى من أن يقوم الطرف الآخر باستخدام هذا الثلث ساعة يشاء، فيُعطّل عمل الحكومة أو يُسقطها من دون معرفة أو موافقة الطرف الثاني، وهذا أكثر ما يخشى الحريري حصوله، وتكرار ما حصل معه في كانون الثاني من العام 2011 عندما سقطت حكومته جرّاء استقالة عشرة وزراء في حكومته خلال اجتماعه بالرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض.

وفي حال لم تتمكّن الدول المتحالفة من تشكيل الحكومة الجديدة، على ما تريد هي، فإنّها ستصبّ جهودها لمعالجة الأزمة الإقتصادية الحادّة التي يمرّ بها لبنان. ولتحقيق ذلك، فإنّها ستقوم بما في وسعها لضمان نجاح المؤتمر الثالث لدعم لبنان الذي يُعقد في باريس الشهر الجاري، وسيترأسه الرئيس ماكرون ويهدف الى جمع المساعدات التي يحتاج البها الشعب اللبناني، ما دامت لن تتمكّن من الضغط لتأليف الحكومة ولتطبيق خريطة الطريق الفرنسية.

غير أنّ هذا الوضع لا بدّ وأن يتغيّر مع إمكانية وصول محادثات فيينا الى عودة الولايات المتحدة الى الإتفاق النووي الإيراني مع مجموعة الخمسة زائد واحد، وحصول تقارب سعودي - إيراني يؤدّي الى توافق أكيد على عدد من ملفات المنطقة. فضلاً عن تحسّن العلاقات الأميركية - الروسية وعدم التنافس المستمرّ على تقاسم دول المنطقة.

وبناء عليه، تأمل الأوساط نفسها حدوث تغيّر في المشهد الداخلي اللبناني، ليس قريباً إنّما بعد أشهر من الآن، شرط تبدّل الموقف الإقليمي والدولي وحصول تسويات بين الدول المعنية، علماً بأنّ وزير الخارجية الفرنسي أعلن في وقت سابق أنّ لبنان لن يكون على طاولة المفاوضات... ربّما لأنّه فقد الثقة الدولية به، وقد لن يستعيدها ما لم يتوافق المسؤولون اللبنانيون على تشكيل الحكومة المنتظرة.

وفي ظلّ هذه الأثناء، ستقوم الدول الحليفة بمساعدة الشعب اللبناني قدر الإمكان، للتأثير فيه من الناحية الإنسانية، الأمر الذي يجعله «ينتفض» في صناديق الإقتراع، على الطبقة السياسية الحاكمة الحالية، ويختار ممثلين جددا عنه، يكونوا قادرين على إحداث التغيير المطلوب في مجلس النوّاب الجديد خلال انتخابات العام 2022.