كان يفترض ألاّ يقبل التكليف، وألاّ يسعى اليه. هو الذي يعلم أنه ما دام الطريق الى قصر اليمامة مقفلاً أمامه، لا بد أن يكون طريق السراي مقفلاً، أيضاً، أمامه .

ما قام به الرئيس سعد الحريري شيء ما يشبه الروليت الروسية. بقدميه مضى الى الموت السياسي، مهما أقفلت الطرقات، ومهما أشعلت الاطارات، ومهما علا الضجيج في الشوارع وعلى الشاشات.

منذ تشرين الثاني 2017، صدر الفرمان الأميري باقفال ذلك البيت السياسي ألذي أقفل بيوتاً سياسية كثيرة. قال لنا رئيس تحرير صحيفة سعودية «أمركم غريب أنتم اللبنانيين في تصنيف ساستكم. ماذا فعل سعد الحريري، طوال وجوده في السلطة، ليتوج خليفة على أهل السنّة ؟  كل رصيده أنه ابن رفيق الحريري. في هذه الحال، دعني أسأل ماذا تبقى من الرصيد السياسي، والرصيد المالي، الذي تركه الأب ؟ لا شيء. لا شيء على الاطلاق».

وقال «في كل زيارته بحثاً عمن يفتح أمامه أبواب المملكة، اختار الأمكنة الخطأ. لن أدخل في التفاصيل. هنا عندنا في الوسط الاعلامي يوصف بـ»السياسي التائه» !

للتو بوشر باقفال طرقات الجنوب، وطرقات البقاع، وبطبيعة الحال طرقات الشمال.

في هذه الحال، من يتجرأ أن يحل محل الشيخ سعد في تشكيل الحكومة ؟ المسألة تحتاج الى انتحاري، ولكن من طراز آخر...

الاسم لا بد أن يأتي من الخارج. لا تعذبوا أنفسكم. لن يتفوه السعوديون الذين تشغلهم مسائل أكثر حساسية بكثير بأي كلمة. هكذا تضيع القيادات السنية (التي يشكو السنّة من هشاشتها). أي خطوة تحتاج الى التغطية من مرجعية خارجية. لا مجال للركون الى المرجعية التركية لأنها، مثل المرجعية الأميركية، تبيع أدواتها على طبق من التنك.

عادة، في الدول الديمقراطية تشكيل الحكومات رهن بخارطة القوى في البرلمان.

عندنا كبلد يمارس كل أشكال الهرطقة الدستورية، والهرطقة السياسية، تم تكريس بدعة «الحكومات التوافقية» التي ألغت، كلياً، اللعبة الديمقراطية (تحديداً فصل السلطات). علماً أن حكومات الوحدة الوطنية تشكل في الأوقات الاستثنائية، وعلى غرار حكومة ليفي أشكول عشية حرب حزيران 1967.

ايمانويل ماكرون الذي جمع ملوك الطوائف، أو مثلي ملوك الطوائف، في قصرالصنوبر، دعا، بلغة المفوض السامي، الى تشكيل «حكومة مهمة» من اختصاصيين برئاسة رئيس تيار سياسي له ما له، وعليه ما عليه. هكذا تكون الحكومة على شاكلة الكائنات الخرافية برأس يختلف، جينياً، عن التشكيل الجيني للأعضاء : أوركسترا عرجاء. المايسترو ربطة عنق فاخرة.

منطقياً، كيف يمكن تشكيل حكومة اختصاصيين لوضع الخطط الخاصة بانقاذ البلد برئاسة شخصية شاركت، بشكل أو بآخر، في خراب البلد ؟ لعل السؤال المنطقي الآخر، كيف يمكن للرئيس المكلف، حتى ولو كان بمواصفات أفلاطون، أن يختار، منفرداً، 24 وزيراً، مع الاشارة الى أن التشكيلة تضم شخصيات لامعة، وأخرى اختيرت بخلفيات لا تمت بصلة الى الكفاءة أو الى التميز.

ثم جاءت المقابلة التلفزيونية، وكانت بمثابة لزوم ما لا يلزم. كم كان الحديث ساذجاً، ومضحكاً، عن أن زياراته كانت لتأمين المساعدات للبنان (أي مساعدات)؟

المقابلة بدت وكأنها فقط ليقول رئيس تيار المستقبل «من الآن وحتى الانتخابات النيابية سترون وجهي الآخر»، كما لو أن لبنان ليس على أبواب الانفجار.

لبنان لم يكن موجوداً أثناء المقابلة. كان هناك فقط سعد الحريري الذي كنا نتمنى على الزميلة اللماحة التي تراجع أمامها على عبارة «طق الحنك»(يا للغة الراقية) أن تهمس في كلتا أذنيه : هل تحسب نفسك جورج كليمنصو أو مهاتير  محمد أو حتى ... رفيق الحريري ؟

نعلم أن الدستور، وبالرغم من النصوص الفضفاضة، لا يولي رئيس الجمهورية أي صلاحية في عملية تشكيل الحكومة. صلاحيات معنوية ان لم تكن فولكلورية. لكننا في بلد يقوم على الفديرالية الطوائفية. هل يمكن، والحال هذه، اختزال أصابع الجنرال باصابع الملكة اليزابت وهي توقع على التشكيلات الحكومية ؟

ما شاهدناه، على مدى الأشهر المنصرمة، شيء ما من الكوميديا الحريرية والتراجيديا الحريرية. مشكلة الرجل في قصر اليمامة لا في قصر بعبدا.