...النتيجة أزمة حادّة سيعانيها المواطن اللبناني في قطاع يشكل عصب الإقتصاد الفردي والجماعي . لم يعد من شيء في لبنان بمأمن من إرتفاع الأسعار، ما عدا المواطن الذي يهبط نزولا الى قاع العيش، وسيستمر في الغرق طالما أنّ الدولار مستمر في التحليق، وطالما أنّ التجّار الفجّار وكارتيلات الإحتكار يتبجّحون برفع أسعار المواد والخدمات، حتى مع تدني سعر الصرف اليومي أحيانا.

اليوم حان دور الإنترنت تلك الشبكة التي كان أحد تطبيقاتها شرارة الحراك التشريني، إقتحمت مؤخرا سوق البازار المعيشي والسياسي، بعدما كانت راكدة لفترة طويلة نسبيّا رغم فوضى الأسعار، وعند محاولة الإستفسار عن السبب، يأتي الجواب معلبا كما واقعنا اليوم في كلّ قطاعاته: «إنّه الدولار الملعون!».

بداية مسار تعرفة «الإنترنت» المستجدة، إفتتحها وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال طلال حوّاط الذي بشّرنا بعهد «الإنترنت» الجديد في بلد يعدّ من أغلى الدول في تعرفة الإتصالات و»الإنترنت»، ومن أدناها في حقل جودتها وسرعتها.

حوّاط طمأن الناس أنّ «الانترنت» الثابت لن يتوقف في لبنان وباق بالأسعار ذاتها، رابطّا ذلك بتوافر المازوت والاعتمادات المالية، موضحا كذلك أنّ الهدف ليس فقط تأمين إستمرارية قطاع الاتصالات وإنما أيضا الوقوف الى جانب المواطن لكي يتمكن من الصمود في ظل الأزمة، وشدّد على أنّ الوزارة لن ترفع من أسعار الانترنت.

طمأنة حوّاط للمواطن بوقوف دولته الى جانبه، بدّدها سماحه لشركات «الإنترنت» الخاصة، برفع أو خفض أسعارها على هواها، فيما على المواطن إختيار ما يناسبه، تاركا للشركات حريّة تحديد التعرفة التي تناسبها، ما شرّع الباب واسعا أمام استغلال المواطن في هذا الحقل الحيويّ، إلّا أنّ الوزير خطّ أمنية على مرأى ومسمع هذه الشركات، بالأخص تلك التي حققت أرباحا كبيرة في السنوات الماضية، أنّ تقف الى جانب مواطنيها وتراعي ظروفهم، أمّا تعويله على ضمير هذه الشركات الخاصة، يبقى رهن الأيام المقبلة.

«الديار» بحثت في أسباب التسعيرة الجديدة وخيارتها البديلة مع الخبير في مجال التكنولوجيا والتحوّل الرقمي محمد حوحو، وبداية البحث كانت في ما آل إليه حال «الإنترنت» في لبنان لناحية الجودة والسرعة، من خلال الإحاطة بواقع «الإنترنت» في لبنان، حيث أشار حوحو إلى أنّ لبنان لا يزال وسيبقى لسنوات قادمة يحتل المركز 175 من أصل 192 بلد حيث سرعة «الإنترنت»، موضحا أنّ السرعة الموجودة في بيروت التي يفترض أن تتمع بأفضل المزاايا في هذا الإطار كعاصمة دولة، غير مقبولة مقارنة بأرقام سرعة الإنترنت طبقا للمعدل العالمي.

أرجع حوحو هذا الواقع البطيء ل «الإنترنت» في لبنان ، لعدة أسباب، منها ما يتعلّق بعدم تشغيل» الفايبر أوبتيك» أي الألياف البصرية التي تمّ تركيبها في عهد الصحناوي عام 2011، والتي تستفيد منها الشركات الكبرى التي تشكل ركيزة الإقتصاد اللبناني، وعدم تنفيذ مشروع وزير الإتصالات السابق بطرس حرب الخاص بإيصال «الفايبر أوبتيك» الى المنازل، عدا عن أنّ البنى التحتية في لبنان غير مؤهلة لوصول «الإنترنت» لعدد كبير من المستخدمين.

الشركات خاصة: تعرفة الإنترنت الجديدة

بين 100 و130 ألف ليرة

يعود توزيع «الإنترنت» في لبنان إلى 8 شركات خاصة أساسية الى جانب «هيئة أوجيرو» التي لم ترفع أسعارها ولا نية لديها لذلك في المرحلة الحالية بحسب حوحو، الذي أضاف أنّ الشركات الخاصة رفعت أسعارها وفق دولار الـ 3900 ليرة، وفرضت على الموزّع إمّا أن يدفع بالدولار أو على سعر الصرف المذكور.

يقسم قطاع «الإنترنت» في لبنان إلى 3 أقسام:

- شركات تأخذ خدمة الشبكة مباشرة من وزارة الإتصالات.

- شركات تستلمها وتوزعها الى المناطق.

- والقسم الأخير هم الموزعون»الصغار» الذين يوصلونها مباشرة إلى المشتركين.

وبعد قرار وزير الإتصالات بدأ التعامل فعليا بدولار 3900 من قبل الموزعين الأساسيين، وشركات النقل، ومن ثمّ الموزعين الصغار في المناطق، ما رفع بدوره تعرفة «الإنترنت»، وقفزت التسعيرة في بعض المناطق دفعة واحدة من 60 إلى 100 ألف ليرة، وفي مناطق أخرى إلى 130 ألف ليرة.

هناك نية لدى «ألفا» و«تاتش»

لتعديل الأسعار

عمليا بدأت شركتا «تاتش» و»ألفا» بتعديل أسعارها لناحية بعض الخدمات كخدمة «رومينغ «roaming وخدمة الرسائل النصية الخارجية، فيما يُرَوَّج لرفع كلفة الخطوط الثابتة وأسعار البطاقات المسبقة الدفع، ما دفع الناس الى شراء هذه البطاقات تحسبا لارتفاع أسعارها، ما أوجد سوقا جديدة للإحتكار.

في السياق، أشار حوحو إلى أنّ شركتي الإتصالات «ألفا» و»تاتش» بدأتا بتعديل أسعارها، ولكن لم تعلن بعد عن الأسعار الجديدة، متوقعا أنّ تحدّد إما بتعديل سعر الصرف الذي تتبعه، أو بزيادة الأسعارعليها بالدولار وفق سعر صرف 1500 ليرة، لكن قرار الشركتين لم يعلن بشكل رسمي بعد.

ويأخذ حوحو على وزارة الإتصالات التي تحدد أسعار خدمات شركتي الخلوي، و»أوجيرو»، أنّها سمحت لشركات «الإنترنت» لأن تحدد كما تريد، فارتفع سعر «الإنترنت»، مع إمكانية أن يرتفع أكثر في الأشهرالمقبلة يحسب سعر الصرف اليومي، عندها سنكون أمام أزمة كبيرة جدا، بالأخص لناحية الفاتورة التي ستشكل عبئا جديدا على المواطن.

فوضى «الإنترنت» تشرّع الباب

أمام «غير الشرعي»

ارتفاع تسعيرة «الإنترنت» وقابليتها للإرتفاع لاحقا، وفي ظل الظروف الإقتصادية الصعبة، عوامل قد تدفع البعض الى « سوق الإنترنت غير الشرعي»، وهذا ما أشار إليه حوحو، الذي أكد أنّ أحد المنافذ لهذا الموضوع، تلازما مع مع ارتفاع الفاتورة الأساسية ممكن أن يلجأ البعض الى الإنترنت والإتصالات غير الشرعية.

أمّا لناحية الحل المحتمل أمام المواطن، والذي قد يقيه أعباء مادية وفيرة، هو قانوني يتمثّل بالتوجه نحو»هيئة أوجيرو» للإتصالات والتي تقدم وفق حوحو خدمة جيدة حاليا، وتعطي «إنترنت» مقبول نسبيا من ناحية السرعة بالنسبة لبعض المناطق، إنما يمكن مع مرور الوقت أن يتراجع حجم و سرعة «الإنترنت» بسبب الضغط الذي سيكون على «أوجيرو» التي تستهلك حاليا 75 % ، ما يوجب عليها أن توسع من شبكتها وقدرتها الإستيعابية.

فيما يتعلق بموضوع الكلفة هل تستحق أن تصل الى المشترك بهذه التكلفة ؟ يجيب حوحو: نحن في دوامة كما يقال، «من هالك لمالك لقباض الأرواح»، حيث تصل «الإنترنت» الى الناس من وزارة الإتصالات الى ناقلي الشبكات الى الموزعين «الصغار»، وأخيرا الى المستهلكين، فتمرّ بأربع مراحل، كل جهة فيها تضيف أرباحا جديدة، لذا يرتفع السعر بهذا الشكل الجنوني، مع احتمال أن يصل التجّار بنا في «الإنترنت» الى سعر صرف السوق السوداء للدولار».

اضاف: أما في حال أراد المواطن تركيب اشتراك جديد أو» كايبل» جديد، فإن تكلفة جهاز الإستقبال تباع وفق سعر صرف السوق السوداء وتتراوح بين 10 و60 دولارا حسب نوعيتها ومزاياها التقنية، وهنا كبداية فإن كلفة الإشتراك باهظة ، لذلك الحلّ الأمثل التوجه الى شركة «أوجيرو» على أن ترفع الأخيرة من قدرتها الإستيعابية.

«الإنترنت» بالنسبة للبناني ليست ترفيها، إنّما هي عمل وعلم عن بعد، يحتاجه اللبناني للنهوض بنفسه من جديد من بين ركام الإنهيار الشامل، فإذا بدولته تتخلّى عنه وتحول ما ظنّه دواء لحاله، إلى داء سيقضي على ما تبقى لديه من تلك الحال!

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق