مما لا شك فيه أن التغير المناخي بات أزمة حقيقية وتداعياتها بدأت تتوسع وتتدهور بشكل كبير، فقد شهد الشهر المنصرم والحالي أكثر الحوادث المناخية جنونا وغرابةً على وجه الأرض، فمن درجات الحرارة المرتفعة جداً في الولايات المتحدة، إلى الفيضانات في أوروبا والصين، الحرائق الضخمة في سيبيريا الزلازل في الاسكا وأندونيسيا واليابان، والانزلاقات الأرضية في الهند، توقع العلماء حصولها بسبب الانسان ولكنهم صدموا بقوتها هذا العام.

لعل أبرز ما طال لبنان من هذه التغيرات هي موجات الحر والحرائق التي أتت على مساحة شاسعة من غابات عكار والقبيات، وتزامنت مع حرائق هائلة وغير مسبوقة من حيث الكثرة وسرعة الإنتشار في كل من الدول المجاورة في تركيا، اليونان، وإيطاليا. فما هو رأي العلم فيما يجري؟

رئيس نادي العلومالسيد أنطوان تيان أكد لـ «الديار»أن التفسير العلمي للحرائق يرتبط مباشرةً بالاحتباس الحراري وارتفاع معدل درجة حرارة الأرض بدرجة ونصف بحسب العلماء في مؤتمر المناخ الأخير وهو بالمؤشر الخطير جداً، واشار الى أن أسباب إشتعال الحرائق متعددة ولعل أبرزها إحتكاك الصخور ببعضها البعض، البراكين، الصواعق دون أمطار وغيرها العديد من الظواهر الطبيعية التي قد تكون سبب بعض الحرائق حول العالم ولكن ليس في لبنان لان أزمة التغير المناخي تلعب دورااساسيا في إزدياد الحرائق التيهي في هذا العام على درجة عالية من الخطورة والقوة، حيث بدأ موسم الحرائق مبكراً مترافقاً مع أحد أهم المسببات وهو الجفاف.

اما عن إحتمالية العمل التخريبي يقول تيان أن الإهمال الغير متعمد والجهل هي اعمال تخريبية، و قد تكون أسباب رئيسة لحرائق لبنان بشكل دائم، لافتاً إلى أنه في حل كان هناك من يسعى الإشعال الحرائق بهدف الحصول على الحطب فهو لن يفلح كون هذه الأشجار لا تصلح لهذه الغاية، أما في حل كان الهدف من الحريق هو تغيير وجهت إستعمال الأرض من غابة إلى استثمارها للبنيان أو غيره من النشاطات البشرية فلان يفلح أيضاً كون القانون لا يسمح بإستغلال الأرض لغاية أخرى قبل مرور عشر سنوات، في حل تم تطبيق القانون. وبالتالي أن إحتمالية أن يكون عملا تخريبيا عن قصد مستبعدة قليلاً، ولكن تبقى واردة وبشدة فرضية الجهل، كالإبقاء على النار مشتعلة بعد النزهة في الغابة مثلاً، أو بعض نشاطات المزارعين للتخلص من الأعشاب اليابسة بالتزامن مع إرتفاع مؤشر الحرائق الذي تصدره جامعة البلمند بشكل دوري تحت إشراف الدكتور جورج متري.

عن خسائر لبنان، يعتبر تيان أن لبنان خسر من ثروته الحرجية بشكل هائل، حيث سجلت عكار وحدها هذا العام خسارة ما يقارب الألف هكتار، وهي خسارة هائلة توازي ما كان يخسره لبنان أجمع في عام واحد مع إستمرار خطر إرتفاع هذا الرقم ليسجل مستويات أعلى خلال العام الجاري بالتزامن مع استمرار إرتفاع مؤشر خطر الحرائق، واشار الى ان لبنان عموماً، ومنطقة عكار خصوصاً، تتمتع بتنوع بيولوجي هائل ففرنسا التي تقيس خمسين مرة من مساحة لبنان تتمتع بسبعة عشر منظومة ايكولوجية، بينما يتمتع لبنان بما يقدر بتسع وعشرون منظومة ايكولوجية. على سبيل المثال، كانت منطقة وادي جهنم في عكار تصنف عالمياً من أهم المناطق الغنية بيولوجياً، والغنية بالنباتات المستوطنة، اي التي تنمو وتعيش في لبنان فقط، بالتالي أن خسارة لبنان في الحرائق هي خسارة، إقتصادية، صحية، حرجية، حيوانية، بيولوجية، ايكولوجية تصل حد تهديد الانسان بكونه عنصر من عناصر المنظومة الايكولوجية.

وفي تفاصيل الخسارة الحيوانية، يعتبر تيان أنها فادحة أيضاً كون خسارة البكتيريا والكائنات المسببة للتحلل تؤثر بشكل هائل على المنظومة الايكولوجية، إضافةً إلى خسارة في الحيوانات البطيئة كالزواحف والأفاعي والسلاحف بسبب عدم قدرتها على الهرب بسرعة من النيران وهذه خسارة تواجه صعوبة هائلة في استعادتها.

وشدد على أهمية منع أي تدخل إنسانيفي الغابات المتضررة من الحرائق لمدة عشر سنوات كونه قد يفقدنا هذه الغابات إلى الأبد. ففي العام الأول بعد الحريق يتوجب حمايتها من الزرع ومن الرعي للحفاظ على بذور الأشجار التي سوف تعيد إنتاج نفسها في المستقبل في حوالي عشرون عام، وهي المدة التي يحتاجها الأرز، الشوح، السنديان وغيرها من الأشجار من فصائل مشابهة لينمو مجددا. في العام الثاني يمكن أن يسمح للاختصاصيين العلميين حصراً بالدخول كونهم قادرين على معرفة كيفية التنقل دون إيذاء النباتات أو الأشجار التي عادت للظهور، بهدف معرفة الحاجة إلى لزوم التحريج أم أن الغابة تعيد إنتاج نفسها بنفسها.

وعن الدور الذي يجب أن تلعبه وزارة البيئة، يرى أن التقصير سيد الموقف من وزارات البيئة، الزراعة، المالية، الداخلية والإدارات الرسمية التابعة والمعنية التي تتسبب بروتين إداري قاتل. تيان رفض تصنيف دور الدولة في الفشل أو النجاح في محاربة الحرائق كونها لم تحاول حتى على الرغم من وفرة الإقتراحات المقدمة لقوانين جديدة ولتحديث قوانين سارية المفعول في ما خص مكافحة الحرائق، خصوصاً وأن تفادي الحرائق بالطرق العلمية أقل كلفة من اطفائها كحواجز النار، استحداث طرقات ضيقة في الغابات لتسهيل عمل الاطفائيات، وغيرها من الأساليب التي يمكن دمجها مع امكانياتنا العالية على تحديد مؤشر الحرائق بشكل دقيق.