اذا كان جورج نقاش قد لاحظ أن سلبيتين لا تصنعان وطناً (Deux negations ne font pas une nation ) ، ما بالكم اذا كنا أمام ذاك الركام من السلبيات؟

ما يحدث داخل الظلال الشكسبيرية في القصر (لكأنها  رقصة الأشباح)، والدولة تتساقط قطعة قطعة، والرعايا ضائعون، محــطمون، على أبواب العــصر الحجري،يتعدى بالكثير الكثير المفهوم الكلاسيكي للمحاصصة. ملوك الطوائف لا يحاولون، من خلال تشكيل الحكومة، الدفاع عن الدولة، أو الدفاع عن الطائفة (متى كانوا للدولة ومتى كانوا للطائفة ؟). انه الصراع من أجل البقاء ...

تكاد كل وسائل الاعلام في العالم تصفهم بديناصورات القرن الحادي والعشرين . أكثر بشاعة بكثير من قتلة التاريخ . قتلة الزمن . هؤلاء الذين يسرقون الحطب حتى من ... جهنم !

قراءة للتصريحات الحمّالة أوجه للرئيس نجيب ميقاتي، عقب كل جلسة من جلسات القصر، تظهر كيف يحصل البازار فوق ظهورنا (ربما فوق جثثنا) . رئيــس الجمــهورية يأخذ وقته لكي يستــشير من هم داخل الجدران . الرئيس المكلف يأخذ وقته لكي يستشير من هم وراء الجدران. أي كوكتيل ينتظرنا ؟ كوكتيل الدمى ...

كل شيء يشي بمدى التصدع البنيوي، التصدع الدستوري، في البلاد . الرئيس نجيب ميقاتي تحدث عن خارطة التوازنات . واقعاً، خارطة الكراهيات . أي دولة يمكن أن تقوم على التوازن بين الكراهيات ؟ وأي حكومة تقوم اذا كان أعضاؤها يخرجون من «طنجرة المردة» (الوعاء الذي يغسل فيه القراصنة أشياءهم)، ويفترض أن تشق الطريق الى الطبقة العليا من الحياة لا الى الطبقة الدنيا من الحياة .

الحكومة العتيدة ليست حكومة ـ مهمة، كما دعا ايمانويل ماكرون . حكومة ـ صفقة . تماماً كما وثيقة الطائف أنتجت الدولة ـ الصفقة ما دام الذين صاغوها ساسة محترفون في حين أن «عبقرية لبنان» كما دأبنا على القول، بحاجة الى عيني زرقاء اليمامة لا الى أدمغة ببغائية  وخارجة للتو اما من ثقافة الصفيح أو من ثقافة الدم !

ما يحدث في القصر ليس غوصاً في الحلول وانما غوصاً  في الوحول . ما نأمله للجنرال، بالموقف التاريخي عام 2006، وقد دخل الى القصر من الباب الخلفي ألاّ يضطر للخروج من ثقب الباب . هل بقيت قضيته قضية لبنان، وعظمة لبنان، واللبنانيين (يا شعب لبنان العظيم) أم باتت قضيته جبران باسيل وفخامة جبران باسيل؟

الرئيس نجيب ميقاتي الذي كنا نتمنى، كصديق قديم، أن ينتهز هذه الفرصة لكي يغسل ما ألصق به من نعوت، لا يستطيع الا أن يستشير الرئيس سعد الحريري، كما لو أن هذا الأخير الذي يلاحقه هاجس الظل، بل وهاجس القاع، يريد له أن ينجح في مهمته لا أن يكبو، كأي حصان هرم، أو كأي حصان خشبي، في منتصف الطريق .

الشيخ سعد خائف من السقوط عن الشجرة. كم يبدو مضحكاً حين يدعو رئيــس ميشال عون الى الرحيل ! ماذا تبقى من ميشال عون ليكون هو المشكلة، حتى لو أحاط نفسه بالمــستشارين الذين بعضهم على شاكلة راقصات الباريزيانا . المشــكلة في البنية الأخلاقية، وفي البنية الفلسفية، لتلك الأوليغارشيا، أو اللوياجيرغا، مادمنا نعيش يوميات التراجيديا الأفغانية.

كان رفيق الحريري، وهو المقاول البارع، يعرف ما هو ثمن هذا وذاك من أركان اللوياجيرغا (الكونسورتيوم القبلي). حين كتبت مقالة بعنوان «كيف تأنسنت سياسات رفيق الحريري» ؟، اتصل بي، وكان لقاء. أذهلتني نظرته الى بعض الساسة الذين على الجزء الأمامي من المسرح ، قال «حرام تشتريهم بخمسة فرنكات» !

هل تتصورون أن فؤاد السنيورة، وهو بمثابة «الصدر الأعظم» في بيت الوسط، لم يزرع أكثر من قنبلة موقوتة في ظهر نجيب ميقاتي ؟

في كل الأحوال، حكومة انتقالية بين لبنان الذي عرفناه ولبنان الذي بصيغة أخرى، وبنظام آخر، بانتظار أن يتبلور المشهد الدولي، والمشهد الاقليمي . المشهدان على فوهة البركان  .

ليت الجنرال يدرك أن السؤال الذي يتردد في المحافل الديبلوماسية ليس أي رئيس جمهورية للبنان، بل أي جمهورية في لبنان ؟