«آه أميركا... لقد سقطنا ثانية والى الأبد» !!

 هذه صرخة فرنسيس فورد كوبولا، مخرج الفيلم الشهير «الرؤيا الآن» (Apocalypse now ) حول التراجيديا الفيتنامية. قال «أمبرطورية العار، حين شاهد الأفغان الذين تعلقوا بالطائرات الأميركية، ثم تحولوا الى أشلاء على أرض المطار. سأل «أي معنى لأي شيء في تلك اللحظات؟».

وقال «ما فعلناه أننا ألقينا بعظام أبراهم لنكولن، ووودرو ويلسون، وفرنكلين روزفلت، في صناديق القمامة. جيمس مونرو أطلق مبدأه الشهير، عام  1823، وأقفل أبواب أميركا في وجه القارة العجوز كي لا تنتقل عدوى التاريخ، وهو مستودع القتلة والمجانين، الينا. ألا ينبغي أن نقفل الأبواب في وجه العالم كي لا تنتقل اليه عدوى ما قبل التاريخ. لعلها... عدوى العدم ؟».

 كوبولا دعا الى أن «نتوقف، منذ اللحظة، عن سياسات الأحصنة الضائعة، الأحصنة المجنونة». من يتوقع أن تتغير أميركا؟ ومتى كان الآلهة يكترثون بجثث الضحايا ؟ وهل من أحد يسأل لماذا الجنود الأميركيون موجودون في العراق، وفي سوريا، وفي الخليج، بل وفي كل أصقاع الدنيا ؟ لن يكون هناك من صدى لكل تلك الصرخات...

ضجيج في أميركا. وكلام عن العودة الى أزمنة الفايكنغ أو الى أزمنة المغول، ولكن بتلك الأقنعة الفاخرة. اسئلة كثيرة حول الانعكاسات الديبلوماسية للحدث «كيف يمكن للايرانيين، بالرؤوس اليابسة، أن يتفاوضوا معنا بعد الآن؟»  المحلل الأميركي آلان بيرغر قال «نحن لا نمزق الاتفاقات فحسب، نمزق الكائنات البشرية أيضاً».

اذ يلاحظ أن الايرانيين يفهمون أميركا ربما أكثر من الأميركيين، يتوقع أن «نراهم في وقت قريب،وهم يرفعون القنبلة في وجهنا».

ولكن أليس الشرق الأوسط عالقاً، بقضه وقضيضه، بين البراثن الأميركية، بين عجلات الطائرات الأميركية؟ في أي لحظة قد نتحول الى جثث تتناثر على الرمال، أو على أرصفة المرافئ والمطارات. لا خيار أمامنا، نحن أصحاب الأقدام الذهبية، أو اصحاب الأقدام العارية، الا أن نكون زنوج الأمبراطورية.

اذاً، لا تسويات وشيكة في المنطقة التي كتب عليها أن تكون على خط الآلهة، أو على خط الحرائق. اللهم الا اذا كان للصدمة الأفغانية أن تغسل رؤوسنا. على سبيل المثال أي جدوى من الصراع السعودي ـ الايراني داخل تلك الغرنيكا اليمنية سوى انتاج الموتى، وسوى الاستنزاف الدراماتيكي للامكانات، وللثروات، وحتى للأزمنة؟

وهل يدرك رجب طيب اردوغان الذي يضطلع بدور أشد سوءاً بكثير من دور نفتالي بينيت، وبتلك الزبائنية، وبتلك المكيافيلية، الهائلة، أنه لا يستطيع أن يلعب الا داخل خيوط العنكبوت التي قد تطبق عليه ذات يوم، وقد استساغ لعبة التاريخ، ولعبة الايديولوجيا، لينبش المقبرة، لا السلطنة، العثمانية؟

ألا يفترض، والحدث الأفغاني يهز هياكلنا العظمية، أن تتشكل لدى قادة المنطقة، العرب وغير العرب، رؤية أخرى لمسار القرن ؟ هذا لكي نصنع التسويات (لا الحروب) بأيدينا لا أن تصل الينا كما أطباق الهوت دوغ، على أن يكون التفاعل الخلاق بين الأدمغة، وما أكثرها، والثروات، وما أضخمها، بدل أن تذهب الأدمغة هباء، والثروات هباء.

آلا تتناهى الينا قهقهات الحاخامات الذين باتوا أكثر يقيناً بأن يهوه سيكون، في وقت قريب، ضيف شرف على اسرائيل الكبرى، وحيث لا وجود للآخرين الا كخدم للهيكل أو كراقصين حفاة عند حائط المبكى... ؟

حين ندور حول أنفسنا أمام الزلزال الأفغاني، بالهزات الارتدادية في أرجاء المنطقة، لا بد من التساؤل : اي يد غليظة، بل أي أياد غليظة، تتولى ادارة القوى السياسية في لبنان لكي تمضي بنا، هكذا، الى أقاصي الجحيم؟

كل تلك اللقاءات في القصر من أجل الاتفاق على الحقائب وعلى الأسماء. لا نتصور أننا رأينا مثل هذا الطراز من البشر  على ذلك المستوى من الضحالة، ومن النرجسية، وحتى من الاجرام...

هناك أمبرطورية العار، وهنا... جمهورية العار!!