مما لا شك فيه أن «ليرتنا ما عادت تحكي» ، وأنها إنهارت إنهيارا فظيعاً أمام الدولار الأميركي ، وما زالت آخذة في التدهور في مسار استغربه حتى بعض الاقتصاديين الذين لم يتوقعوا أن تتعدى قيمتها السبعة عشرة ألف ليرة مقابل الدولار الواحد في أسوأ الأحوال!

اجتمعت في لبنان في السنوات الثلاث الأخيرة أبرز العوامل التي دفعت ببلدان أخرى الى تغيير عملتها، أو حذف أصفار منها، وأهمها رواج سوق الأموال السوداء، الى جانب انفلات معدلات التضخم بشكل تصبح قيمة العملة المحلية لا وزن لها أمام العملات الأجنبية الأخرى، وكذلك ارتفاع معدلات تهريب أموال الدولة الى الخارج كما حصل إبان عمليات التحويل الضخمة اواخر العام ٢٠١٩.

بداية الشهر الحالي قامت فنزولا بحذف ٦ أصفار من عملتها «البوليفار» في محاولة أخرى لإنقاذ العملة التي دمرتها إحدى أطول فترات التضخم المفرط في التاريخ. وفي تجربة أخرى مشابهة، قامت الحكومة التركية في تجربة اقتصادية ناجحة، باستبدال العملة القديمة وسحبها من التّداول عام ٢٠٠٥ بعد أن بلغ سعر صرف الليرة التركية نحو مليون و٥١٤ الف ليرة للدولار، حيث طرحت بدلاً منها العملات الجديدة الخالية من الأصفار، ومنحت المواطنين فترة ١٠ سنوات لاستبدال عملاتهم القديمة بالعملة الجديدة، وذلك من مقر البنك المركزي وفروع بنك «زراعت» الحكومي.

فهل يمكن أن يكون حل حذف الأصفار من العملة أو استبدالها بفئات مختلفة حل محتمل لمعالجة التضخم وتدهور سعر الصرف في لبنان؟

المستشار النقدي والمالي الدكتور غسان شماس أكد لـ «الديار» ان عملية حذف الأصفار من العملة هي مجرد مظاهر مالية ونقدية لا تؤثر بشيء إلا من ناحية الاثر النفسي فقط وعلى المدى القصير، وفق عدة دراسة عالمية، واعتبر أن هكذا خطوة ممكن أن تنطوي على عدة مخاطر منها الاجهاز على الفئات النقدية الصغرى، كما وأنها تستوجب أن تقوم الدولة بإصدار عملة جديدة وأن تتولى طباعتها وهو الأمر المكلف جداً.

ورأى أن الامر قد ينجح في حال تم طرح فكرة حذف أصفار من العملات كنتيجة لإصلاحات إقتصادية كبرى، بحيث أن النقد أصبح أكثر إستقراراً وأن عجلة الإنتاج قد انطلقت بالتزامن مع الخدمات التجارية والصناعية، وتمت جباية الضرائب بشكل صحيح مع نظام نقدي وإقتصادي مستو، ومع «خطة عشرينية» وتحرير لسعر الصرف بهدف الحد من التضخم ضمن خطة طويلة الأمد، وليس كما يحصل الآن في لبنان من خطط لا تتخطى الشهرين.

أما عن تجارب الدول على المستوى العالمي، أكد شماس أن الارجنتين قامت بحذف أصفار من عملتها أكثر من مرة، تركيا قامت بذلك مؤخراً، روسيا قامت بذلك أيضاً، بالإضافة الى زيمبابوي التي عانت ما عانته مع التدهور المفرط في عملتها، ولكن الامر لم يحدث فرقا كبيرا، إلا أن بعض التجارب يحسب لها النجاح كما حصل مع ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية، ولكن لا بد من الإشارة الى أن حذف الأصفار هنا أتى ضمن خطة إصلاحات متكاملة.

بناءً على ما تقدم به، عاد شماس وأكد أن حذف الأصفار عملية تجميلية في حال لم تترافق مع حزمة إصلاحات تبدأ بمراقبة ميزان المدفوعات ولا تنتهي بتثبيت سعر الصرف، وأن الأثر النفسي قصير الأمد ولن يدوم أو يحدث فرقا، لا بل ممكن أن يضرّ ويحدث المزيد من التضخم في حال حدوثه الآن في لبنان كما حصل في إسبانيا واليونان بعد التحويل من عملتهم الوطنية الى اليورو. وعن الخطوة المرافقة لحذف الأصفار والتي قامت بها فنزويلا مؤخرا، وهي طرح العملة النقدية، رأى شماس أنه ليس هناك من علاقة بين الخطوتين، لا بل أن العملة النقدية ليس لها أي دخل في عملية التضخم، بل هي أتت بهدف محاربة العقوبات والحظر الاقتصاديين، وكي تتمكن الدولة من ممارسة التجارة الخارجية، خصوصاً وأن أحد أبرز نتائج العقوبات هو ندرة المواد الأولية في البلاد على الرغم من كون فنزويلا ثاني أكبر منتج للبترول في العالم.

وعن مدى قدرة الليرة اللبنانية على الصمود، رأى أن الليرة تمثل رمز تبادل في الأساس وهي تمثل قيمة بالنسبة للناتج المحلي في البلد، وأن تراجع سعر الليرة الحاصل هو بسبب تراجع حجم إنتاج البلد بالدرجة الأولى، إضافة الى العوامل النفسية الناجمة عن الأحداث المتتالية منذ 17 تشرين والتي أثرت برأس المال كونه وفق المثل الأجنبي فإن رأس المال جبان.

وفي سياق متصل، استذكر شماس أزمة عام 1985، حيث قفزت الليرة من ٣ ليرات مقابل الدولار الواحد إلى 10.000 ليرة، وبالتالي يستدعي الأمر التفكير على المدى المتوسط والطويل بخلق شبكة أمان إجتماعية تقوم الدولة من خلالها بضرورة رفع الأجور فوراً بشكل تصاعدي متناقص، وفقاً لقيمة الراتب نفسه، خصوصاً وأن الأموال موجودة ودون حاجة الى طبع المزيد منها في ظل قدرة شرائية مدمرة للمواطن، وسأل» هل تطلب الدولة من مواطنيها بأن يأكلوا البسكويت إذا كانوا جائعين؟ أخشى ذلك!»