هكذا أعلن سمير جعجع الحرب ضد حزب الله . الانتقال من ثقافة الصومعة، أو من ثقافة الزنزانة، الى ... ثقافة الخندق!

حين يأتي الكلام ممن «يحمل صليب المسيحيين»، وفي ظل مخاوف حقيقية، لدى الأجهزة المعنية، من سيناريو للتفجير المبرمج بين قوى داخلية وقوى خارجية.

متى توقفت «اسرائيل» عن التهديد بتحويل لبنان الى حطام (الجنرال افرام سنيه قال، وبالمنطق التوراتي اياه، أنه لن يترك كلباً ينبح في بلادنا)، ليس فقط لاقامة الدولة الفلسطينية في لبنان، وانما لازالة أي أثر للبنان ولفلسطين من خارطة الشرق الأوسط.

لا نتصور أن قائد «القوات اللبنانية» الذي انضوى، منذ أن كان فتى، في حزب الكتائب، وكان يحلم بازاحة حكم العائلة في الحزب، لا يعلم من سلّم مفاتيح الدولة لياسر عرفات، قبل أن تنتقل الى آرييل شارون، ولا يعلم أن تل أبيب أعلنت أن الغاية من اجتياح1982 تدمير الآلة العسكرية لمنظمة التحرير. هذا ما حدث وارتحلت قيادة المنظمة مع مقاتليها على متن البواخر

في غياب العالم، وغيبوبة العرب، بقيت الأقدام الهمجية على أرضنا لنحو عقدين من الزمان.

هل كان يفترض ألا يقاوم أصحاب الأرض الاحتلال، بعدما قال الحاخام مئير كاهان، وتبنى هذا الكلام الجنرال رافاييل ايتان، انه سيبني الهيكل بجماجم اللبنانيين؟ أكثر من مرة قلنا ان حزب الله لم يهبط من كوكب آخر. هم أبناء هذا التراب، ويبقون الى الأبد أبناء هذا التراب .في هذه الحال، مشكلتنا مع حزب الله أم مع «اسرائيل» ؟

أليس من المنطقي أن نسأل لماذا لم تقف «القوات اللبنانية» في خندق واحد مع المقاومة بدل أن تتبنى موقف «جيش لبنان الجنوبي» الذي أي مبرر لبقائه بعد رحيل الفصائل الفلسطينية التي لم تفرق بين هذا وذاك في أدائها الفوضوي، بل والأداء القاتل، في جنوب لبنان، وحتى في قلب بيروت؟

ثم أليس من المنطقي أبداً أن يسأل جعجع لماذا المخيمات الفلسطينية، بمقاتليها وبأسلحتها، محرّمة حتى على الشرطة البلدية في أماكن تواجدها؟

لم يكن لجعجع أن يقرع الطبول لو لم يستند الى قوى محلية وخارجية تعتبر أن المنطقة مقبلة على تحولات دراماتيكية بعدما تبين قيام حلف بين دول في المنطقة وحركة «طالبان» الجاهزة، وان ارتدت وجوه الملائكة، للاضطلاع بدور التوأم الايديولوجي والميداني لـ «تنظيم الدولة الاسلامية» (داعش)، ولكل تلك الظواهر الآتية،  للتو، من حقبة ما قبل التاريخ، وربما من حقبة ما قبل الله!

ما زلنا عند قناعتنا بأن دخول حزب الله في السلطة كان خطأً استراتيجياً، وهو الذي يعلم مدى التردي السياسي، والتردي الأخلاقي، لأهل السلطة .ولكن أن يُلقي جعجع بمسؤولية الخراب، كل هذا الخراب على الحزب، وعلى العهد الذي شارك، مع سعد الحريري، في بنائه، محاولة كاريكاتورية لاستقطاب المسيحيين الذين هم بحاجة الى من يُنقذهم لا من يدفع بهم الى رهانات لا بد أن تأتيهم، وتأتي سائر اللبنانيين، بالوبال..

لعل لبنانيين كثيرين كانوا يأملون من قائد «القوات اللبنانية» اذا كان يدرك ماهو  مفهوم الحزب (لدى هارولد لاسكي وموريس دوفرجيه وحتى توماس هوبز)، أن يتقدم الى الحضور في المهرجان الباذخ ببرنامج للانقاذ لا لالقاء مسؤولية الانهيار، وبتلك الطريقة الببغائية، على حزب الله أو على عهد سقط، منذ الخطوة الأولى، عند باب القصر. ألم يكن جعجع يعلم أن أفضل طريقة لتدمير الجنرال هي في تطويبه رئيساً للجمهورية؟

لكننا نعلم أن الأحزاب في لبنان ليست أكثر من تجمعات طائفية، أو قبلية، لا علاقة له ببناء الدولة، ولا ببناء رعايا الدولة...

لطالما قلنا أن المسيحيين ضرورة وجودية للبنان، وأن دورهم، كرواد للحداثة، عابر للطوائف، وهو ما أكد عليه البابا يوحنا بولس الثاني الذي حذر من سياسة القوقعة لأنها اذ تهدد الوجود الحضاري للمسيحيين لا بد أن تفضي الى زوال الدولة في لبنان.

ما شهدناه يوم الأحد لم يكن فقط حرباً دونكيشوتية على حزب الله الذي يفترض أن نرى فيه الوجه المضيء باجتثاث الاحتلال من أرضنا، وانما المغامرة بوجود المسيحيين بوجه خاص، وبوجود اللبنانيين بوجه عام. حملة الصليب لا يمكن أن يكونوا هكذا...