تبدو الدعوة الى الانتخابات النيابية وما رافقها من تقديم لموعد إجرائها من أيار 2022 الى شهر اّذار، تبدو وكأنها ليست دعوة للعامة من اللبنانيين، لكنها بشكل عملي موجهة بقالب حصري الى الطوائف المسيحية بشكل محدّد، وفق فرضية مضحكة أو خيال واسع وربما سلسلة من الاحلام يتمسك بها أحد النواب السابقين بقوله: «سوف يتعارك المسيحيون بعد طول غباء طال لعشرات السنوات لم يتسلل خلالها الوعي لقياداتهم».

ويضيف «لا ضجيج إنتخابات سوى على الساحة المسيحية، ولا لقاءات حتى الفجر سوى في منازلهم وقاعاتهم، ولا رؤية إستراتيجية لللواقع المسيحي المترهل الراحل نحو المهاجر  .. مع كل هذا يريد المسيحي أن يدخل السرور بواسطة الانتخابات النيابية في لبنان الى قلوب مناصريه !! فيما الأهل والأقارب وعموم المسيحيين يفتشون عن منفذ نحو أوروبا أو أميركا ودول الخليج هربا» من هؤلاء النواب بالذات الذين وصل بهم الامر الى الحضيض والى حد التفتيش عن «غازي كنعان « اّخر يضع أقدامهم في المجلس النيابي حيث أبدعوا في خدمة مجتمعهم ولبنان !!»

وواقع الامر حسب النائب السابق أنه لدى المسيحيين «معارك» إنتخابية « وليس عملية إختيار شخصيات يمكن التعويل عليها،في محاولة لصدّ ومعالجة النزيف المسيحي المستمر بواسطة الأيدي المسيحية، بل أن الخيار الوحيد لديهم إختيار مصطلح الغلبة مها كانت كلفته ماديا ومعنويا وفيما بعد إستنزاف حتى للمحيطين بالمرشح نفسه أو النائب المستقبلي، وهكذا يكلّل الانتصار القصير الامد إنكسارا للمجتمع المسيحي ككل دون مسؤولية أو رؤية لواقع : أن المسيحيين باتوا لا يملكون في لبنان سوى وظيفة الإستزلام لدى الاّخرين وهذه هي الدلائل:

1- في المقام الاول يعطي النائب السابق تفاصيل ما يحصل لدى باقي الطوائف اللبنانية بشكل موضوعي، فالطائفة الشيعية وبحكم الحكمة التي إرتضاها كل من حزب الله وحركة أمل لا يمكن أن تحصل في مناطقهم سوى عمليات إنتخابية قريبة من أجواء الاستفتاء الجاري منذ العام 1992 وفق التقسيمات التي تجري بين الطرفين،بالرغم من وجود شخصيات معارضة لكن مفعولها لا يتعدى تسجيل بعض التنوع المضبوط دون نتائج مرجوة على الصعيد الانتخابي، وأكبر الدلائل على تداعيات هذا التوافق يتمثل بقوة الطائفة الشيعية في لبنان بعد أن كانوا في الماضي حتى خارج الستة والستة مكرر، لكن نضالاتهم وتضحياتهم ووحدتهم أوصلتهم الى الرقم الاصعب في التركيبة اللبنانية إن لم يكن الرقم الأوحد، وإذا قيل أن السلاح هو من الاسباب الموجبة لهذا التقدم السياسي يعارض هذا النائب الامر بقوله : هل هناك شكاوى موثقة على تأثير السلاح على القوى الناخبة ؟ في النهاية هناك توافق بين قيادات الطائفة.. والنتيجة متواجدة للملأ.

2- لدى الدروز معارك صغيرة لم تصل يوما الى الحرب، فالنائب السابق وليد جنبلاط والمير طلال ارسلان والوزير السابق وئام وهاب برهنوا في الملمات أن مصير الطائفة هو الاهم بفعل عدم تحملها أية تداعيات تتصل بالهجرة أو التقاتل، وفي معظم المواسم الانتخابية يجيد الدروز لعبة «الوحدة» على أكمل وجه، وفي مطلق الاحوال لم تحصل معارك عسكرية فيما بينهم منذ عقود، وأصبحوا أولياء الجبل والشوف بالرغم من كون المسيحيين هم الاكثرية في هذه المنطقة، وحتى النواب المسيحيين هناك يعرفون الممر الى المجلس النيابي بكل طرقه وتعرجاته، ويبدي النائب السابق فرحا» عظيما للأمر على إعتبار أنه لو كان الامر للمسيحيين في الجبل وحدهم لتقاتلوا وذبحوا بعضهم بأنفسهم  أكثر مما تعرضوا للذبح.. هم هكذا لديهم هواية الانتحار الذاتي دون منّة من أحد.

3 - في الطائفة السنية حديثا ثمة مشكلة في مسار الانتخابات لكن معالجتها تبدو سهلة حسب النائب السابق وهو يؤكد بشكل واقعي على تعاون بين الرئيس ميقاتي وتيار المستقبل خصوصا في طرابلس، ومن يراهن على حرب إلغاء أو توتر كبير بين الاطراف داخل الطائفة،فهذا الامر ليس من إختصاصهم ولا خبرة لديهم فيه فالمسيحيون هم أصحاب «الكار» وعمليات التفنن في الانتقام ونحر الذات ليس من أجل هدف معروف ولا أدنى مستوى من المسؤولية.

4 - المسيحيون من جديد يعيدون إنتاج الكراهية والحقد فيما بينهم، ليس على عملية ترفيه هذا المجتمع أو محاكاة وملامسة المصائب التي حلّـت به، بل كل «القضية» أن هناك بقايا كرسي في بعبدا تمت وراثته منذ أكثر من ثلاثين سنة، وبالرغم من كونه لا يحتمل التقاتل من أجله، إلا أن المعركة النيابية تقضي أن يكون حلم الوصول الى هذا الكرسي دونه معارك وتجريح وتعبئة ومحاربة الأخ لشقيقه حتى داخل المنزل الواحد، ولا تهدأ الساحة من جزين الى بعبدا والمتن وكسروان وجبيل والكورة وزغرتا وبشري بفعل التواجد المسيحي في هذه الاقضية، حيث يتم شحذ السكاكين منذ أشهر فيما تعمد الطوائف الشيعية والدرزية والسنية والاخيرة الى حد ما الى تخزين المواد التموينية وتوزيعها على الناس، وترميم المستشفيات والمستوصفات وتأمين المحروقات والدواء والاقساط المدرسية الى أهلهم !! لماذا لا «تزيح» الاحزاب من درب المقتدرين المستقلين؟ وما الضرر من تجربة الاّداء لديهم مع تجارب ناجحة في الخدمة والتخطيط والنجاح !! وما الحكمة في إستبعاد هؤلاء ومحاربتهم بديلا عن التعاون معهم، مثلا مما يشكو ميشال معوض وزياد بارود ونعمة افرام ونوفل نوفل وغيرهم إذا كان المراد والهدف إنتشال المسيحيين من قعر النار... ولتراقب الاحزاب عمل هؤلاء إذا كانوا فاشلين فالمسيحيون يستحقون فرصة لإلتقاط النفس بعد أن أصبحوا عمليا جالية في وطن من صنع أيديهم إرتضاه غيرهم  فيما إقتصر عملهم على حمل بيارق الشركاء في الوطن.

ماذا يريد المسيحيون من تأجيج النار داخل مناطقهم وإشعال النار تحت أقدامهم من نتائج إتنخابات مهما كان حجمها لكل حزب أو تيار، لن يغيّر في المشهد السياسي أي حرف، وبالكاد على المنتصر العظيم أن يحمل نوابه ويحاول إرضاء الاقوياء في الوطن من شيعة وسنة ودروز !! ها هو التيار الوطني الحر وفي سابقة في تاريخ لبنان إجتاح المناطق المسيحية بواسطة الانتخابات منذ العام 2005  وما الذي حصل؟ هل إستطاعوا أن يحكموا أو ينفذوا مشاريعهم بغض النظر عن التعطيل؟ وها هي القوات اللبنانية تندفع بكامل جهوزيتها وعديدها من أجل ماذا؟ وعلى فرضية أن القوات جاءت بعشرة نواب إضافيين، ما الذي سيغير بالمشهد العام المسيحي سوى أن القوات نفسها ستحمل هؤلاء النواب نحو إتفاق مع الطوائف الكبرى ليس في مصلحتها، وهل سيزول الاحباط في الساحة المسيحية؟ لا شيئ سوى أن كافة الاحزاب المسيحية تعمد الى تكبير الحجر تمهيدا لرميه... ومكان سقوطه أصبح معروفا « !؟ إنه المسلخ نفسه في المكان عينه بين قايين وهابيل.

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء