حتى الفيلة تخجل، وترحل. حتى الأبالسة تخجل، وترحل. لا خجل ليحزموا حقائبهم ويرتحلوا. تأشيرات الدخول متاحة، مجاناً، الى جهنم. ماذا يقول الله ؟

لكننا في أزمة مع الله. يقال أنها بدأت منذ أن هبط آدم وحواء على الأرض. فقهاؤنا (فقهاء السلطان)، ولديهم فتاويهم حتى حول شكل اللحى وحتى حول شكل السراويل، لم يوضحوا لنا كيف هبطا ، سيراً على الأقدام، أم على أكتاف الملائكة، أم على متن مركبة فضاء أميركية ؟!

أي وصف ينطبق عل هذا الظلام. لكأنه اليوم الذي يسبق يوم القيامة (ولا قيامة). لم يحدث مثل هذا حتى في مقاديشو، وحتى في قندهار. ليل لبنان كان في تلك الليلة ... ليل هيروشيما.

العجيب أن يقال أن جبران باسيل (آتيلا الجبار) وحده من حال دون بناء معامل توليد الطاقة. أين المافيات اللبنانية التي فاقت في انتهاكها للحالة البشرية مافيات صقلية، ومافيات شيكاغو، التي كانت تقطع الكهرباء للقيام بأعمال السطو، وأعمال القتل ؟

هؤلاء الذين لم يكتفوا بالسطو على كل شيء فينا (ولدينا) وقتلوا كل شيء فينا (ولدينا)، هاهم يتواطأون في ما بينهم لاعادة انتاج انفسهم بقانون انتخاب لطالما قلنا انه لا يليق حتى بالقردة. حين يغدو اللبناني رهينة الطائفة، القهرمانة في بلاط ملك الطائفة ...

لو حدث ذلك في أي بلد آخر، لما بقي من أثر للأوليغارشيا الحاكمة. لا تحلموا بانقلاب عسكري على الأقل لتغيير الوجوه التي علاها الصدأ. الكثير منها تعلوها الوحول. من فضلكم لا تتوجهوا بالشكوى الى الله. ثمة أوصياء على الله  وقطعوا الطريق بيننا وبينه. لم يعد ينقصهم، بكل ذلك البذخ، وأمام الجوعى، سوى أن تتدلى الحلى على صدورهم، لما قدموه من خدمات لله ولمخلوقاته.

الذين فرضوا الحصار (السياسي والديني) على المادة 95  من الدستور، عساها تنقلنا من ثقافة الصومعة، ومن ثقافة القوقعة (ناهيك عن ثقافة الخندق) الى ثقافة الوطن والى ثقافة الدولة التي تفتح أبوابها للحياة. حتى اللحظة الأبواب المشرعة على القبور، وحيث نقطة التقاطع بين ما يقوله الغيب وما يقوله العدم !

لو كنا شعباً، ولو بالحد الأدنى، لا الفقاعات الطائفية، لقاطعنا صناديق الاقتراع التي يفترض أن تبقى فارغة لأن فيها تدفن أصواتنا، وتدفن أجيالنا، لمصلحة تلك المنظومة السياسية التي بكل مواصفات ... حمالة الحطب.

هكذا جعلوا منا، ما دون الدولة، وما دون القبيلة. لاحظنا أن الأرمن، وقد باتوا منا وبتنا منهم، لم يطلقوا النار ابتهاجاً لنيل أحدهم أرديم باتابوتيان جائزة نوبل في الطب.

آخرون، وأنا منهم، يطلقون النار لولادة عنزة، أو لترقية دركي الى رتبة ... أونباشي. اذا كنتم تتذكرون الرتب العثمانية من الشاويش الى البكداشي.

أي دولة تعاني من الديكتاتورية، وترى أن طريق التغيير الداخلي مقفلة، أو مستحيلة، تراهن، للخلاص، حتى على الغزو الخارجي. ماذا اذا كانت دولة مثل دولتنا تعاني فقط من كثرة الديكتاتوريات، ومن كثرة الغزاة ؟

هنا مشكلتنا البنيوية، وهنا مشكلتنا الوجودية. الثورة على الشاشات كم هي باهتة، وكم هي تافهة، وكم هي ضحلة. أثار ذهولنا أولئك الذين نصبوا أنفسهم ناطقين باسم الثورة. لو كانوا السلاحف، لكانت رؤيتهم  أفضل من ذلك الكلام الذي في ذروة الابتذال السياسي، والذي لا يختلف، في أي حال، عن كلام أولياء أمرنا ..

لتو، أمامنا تلك الظاهرة التي لا تقل ضحالة، ولا تقل ابتذالاً. تكتلات طائفية (أو طوائفية) تلتقي لتشكيل «جبهة سيادية» ضد «الاحتلال الايراني» (باعتبار أن بواخر المازوت هي حاملات الطائرات)، كما لو أن السيادة لا تبدا برغيف الخبز، وبالكهرباء، وبالماء، وبالطرقات، وبالادارة التي لا تكون نسخة عن الأدغال.

أكثر من مرة استعدنا عبارة العالم السياسي الشهير موريس دوفرجيه «سيادة الوطن ... سيادة المواطن».

أليست الطبقة السياسية، ومنذ الاستقلال حتى الآن، هي التي جعلت من الدولة البطة العرجاء (لدجاجة العرجاء ) وجعلت منا انكشارية القرن التاسع عشر ؟

هؤلاء الذين بكل مواصفات الأوثان البشرية (ما فوق البشرية) باقون على ظهورنا. نحن الذين نحزم حقائبنا ونرتحل الى جهنم. نعم المصير ...

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق