مقالات عديدة تناولت هذا الموضوع من بابه العريض فكانت الاحكام في بعض الاحيان عادلة وفي احيان اخرى جائرة.

لا اريد ان اتعامل مع هذا العنوان من باب التخصص او العلم. كل ما يهمني ان ابدي رأيي من خلال تجاربي الشخصية اليومية.

ابدأ مقالي هذا بطرح اسئلة تحيّرني منذ صغري،

لماذا ننسى؟

هل النسيان ضرورة لاستمرار الحياة؟

هل علينا ان ننسى اشياء اكثر لتحسين ذاكرتنا؟

هل يعدّ النسيان من الامراض الشائعة؟

هل بالفعل الانسان ينسى او يتناسى؟

هل للخبرة في الحياة دور في تنقية الذاكرة من شوائب الزمن؟

هل النسيان هو بالفعل نعمة او بالعكس نقمة؟

بالتأكيد لكل هذه الاسئلة اجوبة عديدة ومختلفة حتى متضاربة ليس لأن الانسان يسعى لان ينسى او يتذكر اكثر من غيره، بل لأن لكل منا تجاربه واختباراته وتمرسه في الحياة، اذ ان لكل فرد نظرته الخاصة للامور، ولكل مجتمع تقاليده ومعتقداته.

باعتقادي لا احد بامكانه ان يهديك النسيان قبل وقته او ان يبيعك اياه قبل نضوجه، ففي المصائب والنكبات الكبيرة عليك ان تخوض الألم وتعيش الارق بصبر كي تنال نعمة النسيان.

الانسان ينسى لأن الآثار العصبية الناتجة عن غيرنا تضعف مع تقدم الزمن، فالزمن هو عامل اساسي في عملية النسيان، ففي الحالات الطبيعية كلما زاد الوقت كبر النسيان.

يتفق العلماء على انه بالرغم من وجود سعة فعلية للذاكرة لا يتهددنا خطر الوصول الى حدّها النهائي خلال الحياة، ففي اغلب الاحيان اننا ننسى امرا معينا ثم نعود ونستذكره والسبب اننا لا ننسى ما يكفي، فعملية التذكر تمر بعدة مراحل بدءا من التلقي مرورا بالتخزين وصولا الى الاستخدام، فكلما تمّ التخزين بطريقة منسّقة وممنهجة يتم الاستخدام بطريقة سريعة وفعّالة عند الاستدعاء.

ايضا تلعب اهمية المعلومة في ذاكرتنا دورا مهما في التذكر فالمعلومات الموجودة عندنا ليست كلها بنفس الاهمية، فكلما زادت اهمية وكمية الاشياء التي نتذكرها، كلما ازدحمت هذه الاشياء في ذاكرتنا واعاقت عملية الخروج. ان عملية النسيان ليست فقط العجز عن التذكر بل هي عملية مراكمة الاشياء بطريقة عشوائية دون مراعاة اهميتها واولويتها في حياتنا.

للعمر تأثير كبير على ذاكرتنا، فمع تقدّم السنّ، الاعصاب الدماغية يقل تكاثرها ويتضاءل عملها، فيضعف الدماغ ويصغر مع تناقص عدد للخلايا. كل ذلك يؤثر بنسبة عالية على عملية التذكر ويؤدي في حالات معينة الى فقدان الذاكرة وهنا يجب علينا ان نتدرب لتنشيطها واحيائها.

في الحالات الصعبة كالباركنسون والالزيمر تصاب الادمغة بتلف الاعصاب فتصبح القدرات العقلية في اسوأ حال وعملية التذكر مستحيلة، هنا يمكنني ان اقول ان حالة النسيان هذه تكون مدمّرة للمصابين ومحبيهم وهنا يمكننا القول ان النسيان هذا هو نقمة ومصيبة وعذاب جماعي.

هنا نعود الى أهم الاسئلة التي طرحت في بداية المقال.

لماذا ننسى؟

بالنسبة لي النسيان هو عملية تلقائية للدماغ اذ انه يعمل على تفريغ الاحداث والمعلومات الاقل استعمالا والاقل قيمة وهذه العملية صحية. هذا الـ «Refresh» هو ضروري لكل انسان في تفريغ المواد القديمة، تتخلّص الذكرة من المعلومات الهامشية في حياتنا اليومية وبالتالي تصبح هذه الذاكرة اكثر مرونة وحيوية.

على صعيد المشاعر عندما تفرغ الذاكرة من التفاصيل المتعلقة بحادثة مؤلمة يكون استذكار هذه الحادثة اقل ايلاما واكثر ضبابية وبالتالي تصبح مشاعرنا تحت سيطرتنا. هنا انصح كل فرد ان يعمل على تفريغ كل الصور البشعة من ذاكرته وتدريب ذاته على التناسي ليس من باب الاساءة لاحد بل من باب التطنيش!

في اوقات كثيرة يعمد الانسان الى عملية التناسي الارادية والهدف اراحة الذات من الشوائب والافكار الطفيلية المؤذية فيقوم بنسيان اخطاء الاخرين وهفواتهم وكلامهم المؤذي وافعالهم المدمرة. فلولا هذا النسيان لانفجر الانسان من الحقد والافكار السوداء وعمل على الانتقام. اذا النسيان الارادي او حتى اللاارادي هو بالفعل عملية لغسل القلوب وتنقية الفكر وتهدئة المشاعر ومرحلة مهمة للغفران والتسامح.

النسيان اذا هو ضرورة فعلينا ان ننسى كل الصور البشعة والافكار المميتة وكل المعلومات الغير ضرورية والغير مفيدة، لكن يجب ان لا ننسى محبة الله لنا ولا كل النعم المعطاة لنا ولا حب اهلنا لنا وكل تضحياتهم بل يجب ان لا ننسى كل من فعل فعل خير او قدم نصيحة او حتى اعطانا كوب ماء!

في النهاية يمكنني القول انه على صعيد العمل والانتاج يجب ان ندرّب ذاكرتنا على التمسك بالمعلومات القيّمة وذلك لتحسين قدرتنا على اتخاذ القرارات الصحيحة، وبالتالي التخلي عن كل ما هو يعيق انتاجيتنا وتقدمنا وازدهار عملنا.

وعلى صعيد العلاقات الاجتماعية على الفرد ان يعمل على نسيان التفاصيل المادية ويركز بالمقابل على الاشياء التي تساعد على بناء الروابط الانسانية وعلى تنمية المسؤولية الاجتماعية عنده.

في الختام يمكنني القول بأن الحياة فيض من الذكريات تصب في بحر النسيان وأما الموت فهو الحقيقة الراسخة. فلنعمل على عيش الحياة بذكرياتها الجميلة غير غافلين عن الحقيقة الراسخة والمحتّمة.

اختم بهذا القول: «سنعتاد ثم ننسى ثم نصبح بخير». 

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء