التفاوض بحاجة الى نقاش على مستوى الوطن... فلا أحد يعرف مقترحات هوكشتاين «الإغرائية» !!


سقطت فكرة «الجولات المكوكيّة» التي اقترحها الوسيط الأميركي الجديد آموس هوكشتاين خلال جولته على المسؤولين اللبنانيين لحلّ مشكلة النزاع الحدودي، على غرار تلك التي كان يقودها هنري كيسنجر أو فيليب حبيب، وأخيراً ديفيد ساترفيلد، بدلاً من استكمال المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي. فبعد إصرار لبنان على العودة الى طاولة الناقورة لاستئناف المفاوضات وعقد الجولة السادسة بعد تعليقها في 5 أيّار الماضي لعدم التفاهم بين الجانبين، سيزور هوكشتاين «تل أبيب»لنقل موقف لبنان الرسمي، والعودة إليه بالموقف «الإسرائيلي» لتحديد موعد الجولة المرتقبة في حال كانت إجابته إيجابية.

أوساط ديبلوماسية عليمة تجد أنّ هذا الأمر يُعتبر أمراً جيّداً بالنسبة للبنان، سيما أنّ استكمال المفاوضات سيرتكز على «اتفاق الإطار» لترسيم الحدود البريّة والبحرية جنوباً. هذا الإطار الذي استلزم عقداً من الزمن في التفاوض عليه بين رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي والأميركيين، والذي اعتبره برّي عند إعلانه في 1/10/2020 أنّه «خطوة من شأنها أن تُفضي الى سداد ديون لبنان». واليوم أعلن أنّ «أجواء مفاوضات ترسيم الحدود مع العدو الإسرائيلي أكثر من إيجابية»، مشيراً الى سقوط فكرة المفاوضات المكّوكية بديلاً عن المفاوضات غير المباشرة». وأوضح أنّ النقاش المستفيض مع هوكشتاين انتهى الى العودة الى «اتفاق الإطار» الذي جرى الإعلان عنه كأساس للتفاوض، وأن تعود المفاوضات الى مقرّ الأمم المتحدة كما كان يحصل في السابق». وهذا الأمر جيّد بالنسبة للبنان، على ما أضافت الاوساط، وخصوصاً أنّ الأميركيين وافقوا على ذلك، وتبقى موافقة الطرف الآخر. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل سيعود لبنان الى التفاوض على أساس الخط 23 بدلاً من الخط 29 ، ولا سيما أنّه لم يتمّ تعديل المرسوم 6433 بالإحداثيات الجديدة التي فاوض الوفد اللبناني العسكري على أساسها خلال الجولات الخمس الماضية التي انطلقت في 14 تشرين الأول من العام الماضي.

وعقّبت الاساط بأنّ العودة الى الخط 23 تُخسّر لبنان من حقوقه البحرية، ولهذا لا بدّ وأن يتمسّك لبنان بالخط 29 الذي لديه قوّة قانونية أكبر لا يُمكن لأحد أن يدحضها، والذي يضع «حقل كاريش» ضمن المنطقة المتنازع عليها، الامر الذي من شأنه أن يؤدّي الى إرغام العدوالإسرائيلي على وقف عمليات التنقيب فيه من قبل شركة «إنرجين» اليونانية، أو «هاليبرتون» الأميركية. غير أنّ هوكشتاين، على ما يبدو، سوف يطرح على الطاولة العمل على الحقول النفطية في المنطقة الحدودية، وليس على وضع خط فاصل في منطقة النزاع، القديمة أو الجديدة، بهدف تقاسم الموارد عن طريق شركة أميركية، كون بلاده تؤدي دور الوسيط في المفاوضات.

وعن فكرة تقاسم الموارد النفطية في المنطقة البحرية التي يطرحها هوكشتاين من دون أن يكون للعدو الاسرائيلي أي حقّ فيها، تقول الأوساط نفسها إنّه موقف سياسي وليس قانونياً، وهو لعب على الألفاظ، ومحاولة لإثارة زوبعة جدلية لكسب تأييد الرأي العام اللبناني وتجنب مناقشة حقيقية تستند إلى وجهات نظر الخبراء التي تحمل آراء مختلفة. وترى الاوساط أنّ هدف المفاوِض اللبناني في موقفه (التخويني أحياناً) هو التغطية على تعقيدات المشكلة وحصر القرار بين يديه وأيدي مؤيديه. غير أنّ المشكلة، من وجهة نظر الاوساط، هي أعقد بكثير من هذه المقاربة الإقصائية، ولهذا فمن الأفضل أن يحصل نقاش على مستوى الوطن، سيما أنّ مسألة ترسيم الحدود البحريّة تحصل فقط في الصحافة ووسائل الإعلام، فيما النقاش يجب أن يكون أيضاً على الصعيد المؤسساتي أي على صعيد النوّاب، والوزراء، والخبراء، إلخ... وليس على صعيد وفد تقني ضيّق مؤلف من 4 أشخاص فقط، مع الاحترام للأشخاص الذين يتشكّل منهم الوفد.

وتساءلت الاوساط عمّا إذا كان الوفد اللبناني المُفاوض الحالي، سيبقى هو نفسه أم سيتمّ استبدال أعضائه أو إضافة أشخاص سياسيين أو ديبلوماسيين إليه، سيما أنّ رئيسه العميد الركن الطيّار بسّام ياسين قد ذهب الى التقاعد، ولم يتمّ الإعلان حتى الآن، إذا ما كان سيستمرّ في مهمّته هذه رغم ذلك، أم سيتمّ تعيين شخص آخر سواه. ولفتت الى أنّ البعض يُطالب بتضمينه سياسيين لكي يتمكّنوا من اتخاذ القرار المناسب، غير أنّ هذا الإقتراح قد يُفهم على أنّه «نوع من التطبيع مع العدو الإسرائيلي» والذي يرفضه لبنان بطبيعة الحال.

كما سألت الاوساط عمّا سيكون عليه موقف لبنان خلال المفاوضات في حال جرى عرض إمكانية تبادل أمر بأمر آخر، مثل انسحاب «القوّات الإسرائيلية» المحتلّة من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، مقابل تنازل لبنان مثلاً عن جزء من الموارد البحرية، مثل حقّه في نصف «حقل كاريش» في حال جرى اعتماد الخط 29 كحدود لبنان البحرية؟ وتجد الاوساط أنّ هناك إغراءات كثيرة ممكن أن يطرحها الوسيط الأميركي لمصلحة العدو الإسرائيلي، فقد تستفيد الولايات المتحدة الأميركية من الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة التي يمرّ بها لبنان لتعرض عليه، عن طريق وسيطها في التفاوض، اقتراح تطوير الحقول النفطية المشتركة وأن تفرض عليه القبول بعرضها أو عدمه.

وعن ترسيم الحدود، أوضحت الأوساط عينها أنّه «عندما حصل ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين في اتفاقية «بوليه نيوكومب» في العام 1923، كان قد سبق ذلك اتفاق حدودي وقّعه رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية البريطاني في كانون الأول من 1920 رسم الإطار العام لترسيم الحدود. ثم جاء بعد ذلك دور خبيري الترسيم الحدودي البريطاني الكولونيل نيوكومب والفرنسي الكولونيل بوليه، واستغرقا نحو السنة والنصف في إطار من المناكفات حتى توصّلا الى اتفاق عام 1923 (الذي وُقّع على «زغل» وسرعة بين الطرفين البريطاني والفرنسي، ولم يستكمل الكولونيلان مهمتهما بترسيم الحدود بين سوريا وبين شرق الأردن والعراق... حيث توقف الترسيم عند بلدة الحمة السورية)».

وأضافت الاوساط «نحن اليوم فعلنا العكس، أرسلنا الخبراء للتفاوض والترسيم، ولم نتوصّل بعد للإطار العام للترسيم البحري، وحجّة الوفد المفاوض أنّ هذا هو الموقف القانوني الصحيح، وهو كلام غير دقيق». فيما الكولونيل نيوكومب استقال غاضباً، وعاد الى الجيش الأوسترالي (كان أوسترالي الجنسية وبلاده كانت حاربت مع بريطانيا في الحرب العالمية الأولى ضمن دول الكومنولث). والكولونيل بوليه اختفى تماماً من كتب التاريخ، ولا يوجد حتى الآن أي أثر له في سجلات الجيش الفرنسي. أمّا الذين استكملوا ترسيم الحدود بين فرنسا وبريطانيا في الشرق الأوسط، فكانوا ضبّاطاً خبراء آخرين غير معروفين. والقصد من ذلك، أنّ خبراء ترسيم الحدود يتبعون القرار السياسي... وليس العكس. ولهذا على المسؤولين اللبنانيين عدم التأخّر في اتخاذ هذا القرار.

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟