لم يقدّم وزير الإعلام جورج قرداحي استقالته حتى الساعة، ولا تتجه "حكومة معاً للإنقاذ" برئاسة نجيب ميقاتي الى الاستقالة، لا سيما في ظلّ الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة التي يعيشها لبنان. فالعودة الى سيناريو "حكومة تصريف الأعمال"، على غرار حكومة الرئيس حسّان دياب السابقة، لن تفيد لبنان في ظلّ الظروف الراهنة، ولن تصبّ في مصلحته كون المجموعة الدولية والدول المانحة وصندوق النقد الدولي والصناديق الأخرى، تصرّ على ضرورة أن تقوم الحكومة الحالية بتحقيق الإصلاحات المطلوبة، من الداخل والخارج، لكي تحصل على القروض والمساعدات الدولية.

فكيف ستُحلّ المشكلة القائمة بين لبنان والسعودية وبعض دول الخليج على خلفية تصريحات قرداحي، وماذا بعد القفز وراء هذه الأزمة، بعد أن ظهر واضحاً أنّ القصّة لا تتعلّق بوزير الإعلام أو سواه، إنّما بالعلاقة المتشنّجة بين السعودية وحزب الله، على ما جاء على لسان وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، في المقابلة التلفزيونية الأخيرة التي نفى خلالها أن تكون بلاده تمرّ بأزمة ديبلوماسية مع لبنان، لكنّه قال إنّ تصريحات الوزير اللبناني- التي أشارت الى دور السعودية في استمرار الحرب الأهلية في اليمن- أظهرت "أنّ جماعة حزب الله المدعومة من إيران كانت مهيمنة بشكل متزايد في السياسة اللبنانية". ولهذا توصّلت بلاده الى نتيجة مفادها أنّ التعامل مع لبنان وحكومته الحالية ليس مثمراً أو مفيداً وهو ليس في مصلحتهم حقّاً؟!

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ إدارة الخلية في وزارة الخارجية والمغتربين تُتابع اتصالاتها من أجل تحسين العلاقة بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، وتسعى الى وساطة عربية تقودها مصر وقطر وسلطنة عُمان كون هذه الدول وقفت مواقف وسطية بين الطرفين. وكانت وزارة الخارجية العُمانية قد أصدرت بياناً أعربت فيه عن أسفها العميق لتأزّم العلاقات بين لبنان وعدد من الدول العربية، ودعت الى ضبط النفس والعمل على تجنّب التصعيد ومعالجة الخلافات عبر الحوار والتفاهم بما يحفظ مصالح هذه الدول العليا في الأمن والاستقرار والتعاون القائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية. كما يقوم وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بجهود عديدة لاحتواء التصعيد والتخفيف من حدّة الأزمة، مشدّداً على أهمية التواصل والتلاقي مع جميع الأشقّاء الخليجيين والعرب.

وإذ أكّدت وزارة الخارجية اللبنانية للساعين الى الوساطة بنّ الحوار والتفاهم يوصلان الى تجاوز المشكلة القائمة في ظلّ حرص لبنان الشديد على أفضل العلاقات الأخويّة مع أشقّائه العرب والخليجيين، ترى أنّ الأمر يعود الى موافقة السعودية والبحرين والكويت والإمارات على الجلوس الى طاولة الحوار لحلّ المشاكل القائمة فيما بينها وبين لبنان. علماً بأنّ إعادة رسم الخارطة السياسية لدول المنطقة، تجري بين الدول الكبرى أي بين الولايات المتحدة وفرنسا وإيران وروسيا، وبين السعودية وتركيا ومصر، ولهذا فإنّ لبنان يبدو أنّ عليه انتظار النتائج التي ستؤول اليها المفاوضات بين هذه الدول.

غير أنّ الأوساط نفسها لفتت الى أنّ المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، كما بين السعودية وإيران من جهة ثانية، لم تنعكس حتى الآن إيجاباً على لبنان، ولهذا فمن الأفضل الذهاب الى حوار مباشر بين السعودية ولبنان، ولا سيما حزب الله الذي يُشكّل لها عائقاً أمام تعامله مع الحكومة الحالية، فهذا الأمر تطرحه بعض الدول العربية التي لا تودّ أن يكبر الخلل القائم في العلاقات بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي ، لا سيما بينه وبين السعودية، لأنّ من شأن ذلك أن يضرّ بمصالح الدول العربية.

ولأنّ السعودية دعت الى وقف الواردات اللبنانية على أنواعها، تخشى الأوساط نفسها من أن تمنع تحويل اللبنانيين العاملين على أراضيها، والتي صرّحت بأنّ لا علاقة لهم بالمشكلة الحاصلة، الأموال الى عائلاتهم، كون هذا الأمر سيُضاعف من حجم الانهيار الإقتصادي الحالي الذي يؤثّر سلباً في حياتهم وأسلوب عيشهم. فوقف التحويلات من اللبنانيين الى عائلاتهم في لبنان، من شأنه مضاعفة المشكلة القائمة، ويجعل من عملهم في السعودية يفيدهم شخصياً دون عائلاتهم التي تنتظر مساعداتهم المالية شهرياً.

كما تخشى الاوساط في الوقت نفسه، من أن يكون إصرار السعودية على عدم التعامل مع لبنان خلال ما تبقّى من عهد الرئيس عون، يهدف الى الضغط على حكومة ميقاتي وتحويلها الى حكومة "مجمّدة"، فلا تعود قادرة بالتالي على إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها، التي تعوّل عليها دول الخارج من أجل تحقيق "العقد" أو "النظام الجديد" في لبنان، من خلال الإقتراع للوجوه الجديدة المستقلّة التي بإمكانها التغيير بدلاً من الوجوه النيابية الحالية، ولا يمكنها بالتالي انتخاب الرئيس المقبل للجمهورية، فتدخل البلاد في إطار التعطيل السياسي مجدّداً، والذي قد يؤدّي الى عدم استقرار أمني ومواجهات مسلّحة في الشارع.

في المقابل، يقول بعض المراقبين إنّ العلاقة بين لبنان والسعودية لم تكن بأفضل حالاتها، لا سيما خلال السنوات الأخيرة، حتى مع الطائفة السنيّة في لبنان التي تعتبرها مرجعاً لها، فقد وضعت السعودية "الفيتو" على ترؤس سعد الحريري لحكومة لبنان بعد تكليفه قبل مجيء ميقاتي، خصوصاً بعد الأزمة التي حصلت بينها وبينه يوم أرغمته على الاستقالة من الرياض في 4/11/ 2017، وتدخّل إذّاك رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مناشداً دول الخارج إنقاذ رئيس حكومة لبنان، فكان أن تدخّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفكّ احتجاز الحريري من السعودية وأعاده سالماً الى بلده. كذلك لم تكن السعودية راضية عن الدعم الخارجي الذي حصل عليه ميقاتي لترؤس الحكومة الحالية، إلاّ أنّ هذا الأمر لم يحلّ دون تشكيله الحكومة الجديدة، فيما كان تحفّظها وعدم إعطائه موعداً لأي من الرجلين لزيارتها، يوحي بأنّها ستقوم بخطوة تصعيدية ما في لبنان.

من هنا، تسأل الأوساط عينها، إذا كان خلاف السعودية الأكبر هو مع إيران، ومع سوريا، وهي تتفاوض معهما حالياً، فما الذي يمنعها من عقد مفاوضات مع حزب الله، لتحسين العلاقات بين البلدين ولإراحة الوضع في البلاد، وتأمين الإستقرار السياسي والامني الذي من شأنه أن ينعكس إيجاباً على كلّ منهما، كما على المنطقة ككلّ؟ّ

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟