اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع ارتفاع نسب البطالة وتحليق درجات الفقر في فضاء انهيار اقتصاديّ حجز المكان الأكثر وقعاً وتأثيراً على لبنان، وما خلّفه من إنفلات أمني، لا عجب بارتفاع نسب السرقة، النشل وحتّى الجريمة.

باتت مظاهر السرقة إذاً تسجّل أعلى مستوياتاها في مختلف المناطق اللبنانية لتصبح ظاهرة عامة تترك كلّ يوم آثارها الحدّة على اللبنانيين وتهدّد أمنهم الاجتماعي.

فبالأرقام، بلغت نسبة جرائم القتل والسرقة مطلع هذا العام أيّ في كانون الثاني وشباط ارتفاعاً بنسبة 144% وارتفعت جرائم القتل بنسبة 45%، حيث وصل عدد القتلى والجرحى الى 32 قتيلاً مقارنة ب 22 قتيلاً من الفترة نفسها في العام 2020 وذلك بحسب التقرير الذي نشرته الدّولية للمعلومات. يأتي ذلك في وقت وصل فيه أكثر من نصف سكان لبنان تحت خط الفقر، وفقاً لما رصدته الأمم المتحدة لعام 2020، ومن المرجح أن تتخطى 70٪ وفقاً لما يؤكده الخبراء الاقتصاديون.

ضحايا وضح النّهار ومرتكبون!

يوم الخميس الفائت، ركنت جوان سيارتها أمام أحد مجمّع تجاري في منطقة الجديدة، وفيما كانت تهمّ للنزول من سيّارتها، فوجئت بأحد الأشخاص، غير مقنّع، مكتفٍ بارتداء قبّعة وكمّامة، فتح باب سيّارتها، سلب حقيبتها، وفرّ هارباً عبر درّاجته النّارية.

تقول جوان لـ «الدّيار»: «العملية جرت بأقلّ من خمسة عشرة ثانية، كنت فيها مصدومة وغير مدركة ما يحصل بالتحديد، حتّى أنني في اللّحظات الأولى فكّرت أنّه أحد اصدقائي رآني رّبما في المنطقة وأتى لمفاجأتي، وبعد أن أدركت الواقع، حاولت أن ألحق به جرياً إلّا أنني عُدت الى سيّارتي خوفاً من أن يسرقها أحد لأنني تركتها والمحرّك شغّال. وبعد أن اجتمع حولي عدد من الأشخاص الذين أكّدوا لي أنّها العملية الرابعة في هذا الشارع في غضون أيّام، اتّصلت بالقوى الأمنية لتطلب منّي القدوم الى مركزها لتقديم بلاغ عوض أن تأتي الدورية وتعاين موقع الحادثة وتأخذ البصمات وما الى هنالك كم إجراءات روتينية أسمع عنها في هذه الحالات. فتوجّهت مع أحد أصدقائي الى أقرب مركز للدرك وقدّمت بلاغاً وفتح المحضر على أن تتابع القوى الأمنية عملها، علّها تسحب ما سجّلته كاميرات المراقبة الموجودة في المنطقة».

وتضيف جوان :»أعلم جيّداً أن ما سُلب منّي لن يعود إليّ، فأنا أصلاً ما عدت أريد لا المال ولا الأغراض القيّمة الموجودة في حقيبتي، إلّا أنني أريد أن أستردّ بطاقة الهويّة أريد أن يُلقى القبض على الفاعل كي يكون عبرة لغيره، ربّما بالمحاسبة الصارمة تتدنّى عمليات السرقة والسّلب».

وعن الفقر والعوز الناتجين عن ارتفاع مظاهر كهذه، تقول:»يعيش لبنان برمّته أوضاعاً صعبة جدّاً، ولا شيء يُبّرر عملية السرقة، يمكن أن يعمل في أيّ مجال كان، يمكن أن يكون عامل تنظيفات أو عتّال وأن يعتاش بكرامة، عوض أن يضع حياة المحيطين به في خطرٍ إن لم يكن جسدي، فهو حتماً خطراً ماليا ونفسيا على حدّ سواء».

شهادة حياة

«أ.ج» الذي افرج عنه في حزيران الفائت بعد أن قضى محكومية دامت سنتين في سجن رومية بجرم السرقة ومحاولة قتل عمداً، وروى لـ «الديار» قصّته قائلاً: « دفعت ثمن أخطاء نزواتي التي أوصلتني الى درجة اليأس، فالشعور بالجوع صعب جدّاً، وحين تغلق كلّ الآفاق، تبحث عن أسهل منفذ وهو السرقة، ألقي القبض عليّ بعد أن تمّ تتبّعي بعيد أسبوع من قيام بسرقة متجرّ للذهب في أحد أسواق العاصمة وبعد أن حاولت أن أقتل صاحب المحلّ حين استشعرت أنّه كشف أمري، وبعد توقيف دام ستة أشهر، حُكم عليّ بالسجن سنتين».

ويضيف:»اليوم ألوم نفسي، فعشت سنتين من حياتي معزولاً عن أهلي ومحيطي من أجل حفنة من المال لم تشترٍ لي لا السعادة ولا راحة الضّمير، بعد أن أفرج عنّي، قصدت بلدية المنطقة التي أعيش فيها وطلبت الحصول على وظيفة ولا يهمنّي النّوعية، فأعمل اليوم عامل نظافة فيها، أجوب شوارعها، أنظّفها، أرتّبها وأكتفي براتبي مفي نهاية كلّ شهر وأجدول مصروفي بحسب مدخولي».

العلم الإجتماعي

وفي هذا الإطار، تؤكد الدكتورة هيلدا شرف، أستاذة جامعية متخصّصة في علم الإجتماع وباحثة في الشؤون الإجتماعية في اتصال مع «الدّيار»، أنّ ما سجّلته النسب من ارتفاع ما هو إلّا نتيجة متوقعة وطبيعية لمخلّفات وتداعيات الأزمة الاقتصادية اللّبنانية، إضافة إلى ارتفاع نسب البطالة مقابل ارتفاع غير مسبوق في كافة تكاليف الحياة. وهذا ما أدى إلى ارتفاع عدد السرقات منذ نهاية العام 2019 والعام 2020 بنسبة 55٪، فيما ارتفعت سرقة السيارات بنسبة 107٪. وبلغ ارتفاع عدد السرقة في الأشهر الأولى من 2021 إلى 144٪ مقارنة بالأشهر ذاتها من العام 2020، وهذه الأرقام تعرضها قوى الأمن الدّاخلي».

وبحسب تحليلها ودراستها لأرض الواقع، ترى «أن النسبة الأعلى من السرقات التي تحصل على الأراضي اللبنانية ليست فردية وإنما تديرها شبكات منظمة استفادت من الوضع فرفعت عدد عناصرها بسبب انتشار الفقر والحاجة فباتت الأرض خصبة، حيث بات تجنيد العناصر لتنفيذ السرقات في هذه الظروف أسهل بكثير مما مضى. ويجد السارقون دائما أساليب جديدة ومبتكرة يفاجئون فيها ضحاياهم والأجهزة الأمنية، وأنماط محددة من السرقات التي تتكيف مع المرحلة وظروفها الأمنية والاجتماعية، وواحدة من الأساليب المبتكرة للسرقة، باتت تتم عبر افتعال حوادث اصطدام من ثم النزول مع عدد من الشبان والاعتداء على الضحية وسرقة سيارته أو دراجته النارية وهذا الأسلوب بات متكرراً كما تتكرّر أيضا حالات سرقة المنازل النائية في القرى البعيدة التي نادراً ما يقصدها أصحابها، خاصة خلال الإغلاق العام وحظر التجول الذي فرض في البلاد بسبب جائحة كورونا، حيث قامت عصابات بمراقبة تلك المنازل واستغلال غياب أصحابها والإقدام على سرقة محتوياتها».

نفسياً، تقول شرف «أنّ الإقدام على عمليات السرقة والنشل ليس وليدة الفقر فقط إنّما تراكمات تربية من جهة ومحيط السكن والعيش، إضافة الى نقص حادّ في العاطفة الحسيّة التي تظهر سلوكيات منحرفة كتعاطي المخدّرات مثلاً الذي ينتج عنه قيام الفرد بجنح تمرّ بالنشل والسلب والسرقة لتصل الى القتل. من هنا نشجّع كمتخصصين في علم الإجتماع والنفس على ضرورة التوعية على الطب النّفسي أو زيارة الأخصّائيين النّفسيين فالصحّة النّفسية ومتابعتها الدّقيقة تُسّرع في عمليية الإصلاح الإجتماعي».

الجهات الامنية

مصادر أمنية رفيعة المستوى أكّدت لـ «الدّيار أن «الأجهزة الأمنية تسهر دائماً على المحافظة على السلام العامة للمواطنين وتلاحق في كثير من الأحيان الأسواق التي تنتهي إليها المسروقات ومنها تصل إلى السارقين والعصابات، وعادة ما يتركز عمل العصابات على تصريف مسروقاتها وخلق أسواق جديدة لها، خاصّة السيارات والمجوهرات والخردة والأدوات المنزلية، وأحيانا تنشط سرقة نوع محدد من السيارات أو غيرها حسب ما يتطلب السوق من تلك العصابات التي تستفيد من السارقين الصغار في تجنيدهم لتسيير تجاراتها، الأمر نفسه يحصل مع تجارة الخردة والمعادن وغيرها الكثير.

وأكّدت المصادر أنّ الأجهزة الأمنية تعاني من ارتفاع غير مسبوق في نسب هذه الحالات التي باتت منتشرة بكثافة وعلى امتداد الأراضي اللبنانية، ففي السابق كانت تتم مراقبة أنماط معينة في مناطق محددة تشير إلى وجود طرف واحد مسؤول عنها، وفي أغلبها تكون عصابات ناشطة محلياً يمكن التركيز عليها ومراقبتها، ولكن اليوم باتت الحالات منتشرة ومتعددة بعضها فردي وبعضها منظم وتتغير الدوافع بين مدمني مخدرات أو مجندين لدى عصابات يمتهنون السرقة. هناك سرقات تتم بدافع العوز والحاجة كما هناك تجارات محددة كالخردة وقطع السيارات تنشط سرقات محددة، مما يصعب المهمة أكثر».

وأشارت المصادر إلى أنّ «انعكاس الأزمة الاقتصادية على الأجهزة الأمنية وأدائها ليس سراً يفشى، وقد تحدث عن ذلك كل من قائد الجيش ووزير الداخلية. وانخفضت محفزات العناصر والضباط بعدما تراجعت قيمة رواتبهم ومخصصاتهم بشكل هائل، أضف إلى كل ذلك الاستنزاف الذي تعيشه كافة القطعات الأمنية والعسكرية بسبب الوضع الأمني الآخذ بالانفلات أكثر فأكثر في الشارع، ومع ذلك فإنها تعمل بقدراتها القصوى وما زالت مسيطرة على الحالة الأمنية العامة في البلاد وتقوم بواجباتها على أكمل وجه فخدمو الوطن والمواطنين تبقى الأهمّ».

«جوان» و»أ.ج» ليسا سوى ضحيّتين لمجتمع فرض الظلم على كليهما كلّ من وجهة، فالأولى ضحيّة ذنب لم ترتكبه، والثاني ضحيّة مجتمع لم تستطع الدّولة فيه أداء واجباتها تجاه مواطنيها في الوقت التي تفرض عليهم تطبيق الحقوق التي لها عليهم... فهل تتدنّى مظاهر الأمن المتفلّت والسرقات مع انفراج الأزمة اللبنانية إن حصل...؟

الأكثر قراءة

هل أخذت الحكومة الضوء الأخضر من صندوق النقد لإقرار خطّة التعافي؟ خطّة «عفى الله عما مضى» كارثة إقتصاديّة واجتماعيّة...وهذه هي الأسباب خمسة قوانين كلّ منها «كرة نار» رمتها الحكومة في ملعب المجلس النيابي