دخلت جامعة الدول العربية على خط معالجة الأزمة الديبلوماسية والسياسية المستجدّة بين لبنان والسعودية ودول الخليج، فأرسلت الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية السفير حسام زكي الإثنين المنصرم الذي جال على المسؤولين اللبنانيين مستشفّاً مواقفهم في محاولة لإعادة الأمور بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي الى طبيعتها.. غير أنّ ثمّة عائقين جعلا مهمّة زكي تصطدم بحائط صلب، لكي لا نقول «مسدود»: الأول هو عدم وجود موقف لبناني رسمي موحّد فيما يتعلّق بالحلّ الممكن، والثاني التشدّد السعودي الذي واجهه لبنان وظهر وكأنّه يريد فرض شروطه ومطالبه عليه من دون أن يُعطيه أي ضمانات، بدلاً من التعاطي معه كبلد صديق وشقيق. فما الذي سيحصل بعد خطوة الجامعة، وهل من أمل لمعالجة هذه الأزمة، أم أنّ الأمور ذاهبة الى المزيد من «التعطيل» السياسي، في ظلّ تعليق الحكومة عقد جلساتها الوزارية ريثما تُحلّ أزمة القاضي طارق بيطار التي أدّت الى أحداث الطيّونة وأظهرت الإنقسام الواضح في البلد بين القوى والأحزاب؟!

مصادر ديبلوماسية مطّلعة تحدّثت عن أنّ تحرّك جامعة الدول العربية جاء نتيجة وقوع الأزمة الديبلوماسية واتخاذ السعودية وبعض دول الخليج قرار مقاطعة لبنان ديبلوماسياً واقتصادياً وتجارياً وسحب السفراء والأطقم الديبلوماسية، ومنع سفر مواطنيها إليه... فهذا الوضع الخطير جعل الجامعة تتحرّك لكي تكون «الطرف الثالث» الذي يُمكنه التعاطي مع لبنان ودول الخليج من دون أي حساسية، ومن دون أي انحياز لأي بلد دون الآخر، كونها دولاً أعضاء متساوية الحقوق والواجبات في الجامعة. ولمس السفير زكي من خلال لقاءاته المسؤولين اللبنانيين حرصهم على أفضل وأطيب العلاقات مع السعودية ودول الخليج، غير أنّه لم يتمكّن من الحصول على قرار موحّد لحلّ هذا الأمر.

وتقول بأنّ الجميع يعلم بأنّ رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي طالب من وزير الإعلام جورج قرداحي الإستقالة كبداية لإعادة العلاقات الى طبيعتها، فيما رفضها قرداحي مشترطاً إعطائه «الضمانات» بأنّ استقالته هذه ستحلّ الأزمة برمّتها. كما رفضها رئيس تيّار «المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية لأنّه لا يريد تقديم قرداحي «فدية» عن أحد، علماً بأنّ العلاقات مع السعودية بدأت تسوء منذ العام 2017... كذلك الأمر بالنسبة للثنائي الشيعي غير الموافق على استقالة قرداحي، ويرى في طلب السعودية هذا تدخّلاً في الشؤون الداخلية للبنان، لهذا يرفض رفضاً قاطعاً أن تفرض على لبنان إقالة أو استقالة أي وزير فيه، فكيف إذا كان لم يرتكب أي خطأ وهو في موقع المسؤولية؟!

وهذا الخلاف في وجهات النظر الداخلية، فضلاً عن القساوة السعودية التي واجهتها خليّة الأزمة اللبنانية الوزارية التي سعت الى إعادة المياه الى مجاريها فور حصولها، هما اللذان يُعقّدان المهمّة التي يقوم بها أي طرف ثالث. علماً بأنّ لبنان لم يُخطء تجاه السعودية، على ما أكّدت المصادر نفسها، لكي يطلب من قرداحي الإستقالة أو يقوم مجلس النوّاب بإقالته، وقد كسر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون البروتوكول عندما قام بأول زيارة خارجية له للمملكة... كما أنّه لا يردّ بالتالي على أي إنتقادات قاسية تطال القوى السياسية فيه، يُطلقها إعلاميون سعوديون عبر وسائل التواصل الإجتماعي.. وهذا يدلّ على أنّ لبنان لا يريد إلّا أفضل العلاقات مع السعودية والدولة الخليجية، ومع محيطه العربي ككلّ.

أمّا «حسن النيّة» التي يُطالَب لبنان بإظهارها، من أجل إعادة العلاقات الديبلوماسية الى طبيعتها، ورفع المقاطعة الخليجية عنه، وذلك من خلال إرغام قرداحي على تقديم استقالته، ومن ثمّ تقديم اعتذار من السعودية، وغير ذلك فهذا لن يحصل في الوقت الراهن، على ما أشارت، لأنّ هذه الخطوات لا يجب أن تكون آحادية الجانب. علماً بأنّ السعودية باقية على تصلّبها، ولا تُريد الحوار الثنائي، أو المصارحة مع لبنان، بل تودّ أن يُقدّم لها التنازلات الواحدة تلو الأخرى، ومن ثمّ تُفكّر إذا ما كانت ستُبدّل موقفها منه أم لا.

وهذا الأمر لا يصبّ في مصلحة لبنان، ولا يُمكنه بالتالي، على ما أوضحت المصادر نفسها، التنازل عن سيادته وكرامته، من خلال تنفيذ الإملاءات الخارجية التي تجعله يبدو كبلد قاصر أو لقمة سائغة لأي بلد آخر. فالتعاطي معه لا بدّ وأنّ يكون على أساس ندّي وحواري، وعلى أساس العلاقات بين دولتين عربيتين شقيقتين. أمّا أن تتحكّم المزاجية بالعلاقات بين بلدين، وبتصريح إعلامي لم يحمل أي إساءة للسعودية ودول الخليج، فهذا يدلّ على عدم ثبات هذه العلاقات من أساسها.

وبالنسبة للبنانيين العاملين والمقيمين في دول الخليج والذين يبلغ عددهم نحو 500 ألف لبناني يعملون في دول الخليج، وقد جرت طمأنتهم بعدم المسّ بأعمالهم، فهذا لا يُعتبر، على ما أضافت، مبادرة من قبل هذه الدول تجاه لبنان، كونهم يُشكّلون طاقة لبنانية فاعلة، لا يُمكن لهذه الدول الإستغناء عنها بسهولة. ولهذا، فإنّ أي طرف ثالث يريد الدخول على خط المصالحة بين لبنان والسعودية ودول الخليج، أكانت الجامعة، أو أي دولة أخرى عضو فيها، يُفترض أن يُطالب هذه الأخيرة بخطوة إيجابية ما تجاه للبنان، في حال كانت تريد فعلاً إعادة العلاقات الى طبيعتها، وتقديم يدّ المساعدة الى لبنان من خلال مؤتمر «سيدر» أو الدول المانحة، من دون اشتراط إقالة قرداحي أو إقصاء «حزب الله»، أو أي أمر آخر.

ولأنّ لبنان مهتمّ بحلّ الأزمة مع دول الخليج، فقد أبدى استعداده للحوار معها، والمصارحة لتقريب وجهات النظر ووضع كلّ المواضيع الخلافية على الطاولة، انطلاقاً من الحفاظ على السيادة الوطنية ومأسسة هذه العلاقات، للوصول الى حلّ يُرضي الطرفين. وينتظر لبنان الموقف السعودي تجاه اقتراحه هذا، الذي يُمكن أن ينقله عن طريق السفير زكي للمسؤولين اللبنانيين، ويُمكن أن ينعكس بالتالي على مواقف الدول الخليجية التي حزت حزو المملكة. علماً بأنّه حتى الآن، لم يصدر أي ردّة فعل إيجابية من قبلها، باستثناء تغريدة السفير السعودي لدى لبنان وليد بخاري، التي كتب فيها عبر حسابه على «تويتر»: «...رائعة مونتسكيو من كتاب روح القوانين وخلاصة تأمّلاته: القانون يجب أن يكون مثل الموت الذي لا يستثني أحداً»، ما يوحي بأنّ الأمور آيلة الى المزيد من التصعيد في الداخل اللبناني المنقسم بين مؤيّد ومعارض لإملاءات السعودية، كما الى الفوضى في الشارع في ظلّ «تعليق» الجلسات الوزارية للحكومة الى حين حلّ قضية القاضي طارق البيطار.  

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟