من غير المنطقي عدم إجراء الإنتخابات النيابية في الربيع المقبل، بعد كلّ المواقف السياسية السابقة عن ضرورة تقريب موعدها لضمان حصولها، وتلافياً لأي أمر طارىء قد يُعطّل هذا الإستحقاق. وتصرّ دول الخارج لا سيما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، على هذا الأمر ما جعلها تنشىء مع وزارة الداخلية والبلديات، ولأول مرّة في تاريخ لبنان، ما سُمي «منتدى الانتخابات» لمناقشة استعدادات لبنان للانتخابات في العام 2022، وكيف يمكن للمجتمع الدولي مساعدته على أكمل وجه، لا سيما على الصعيد المادي في ظلّ الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة، وارتفاع سعر الدولار الأميركي الذي لامس الـ 23 ألف ليرة لبنانية مقابل انهيار قيمة العملة الوطنية، التي جعلت الدولة عاجزة عن دفع تكاليف العملية الانتخابية في لبنان والخارج. فضلاً عن التعاون من أجل إنجاح العملية الانتخابية، بما في ذلك تفعيل وتعزيز هيئة الإشراف على الانتخابات والمشاركة الفاعلة للمجتمع المدني وانخراط المرأة بشكلٍ ملموس.

في المقابل، يقول العارفون إنّ بعض الأحزاب السياسية تسعى رغم نشاط ماكيناتها الانتخابية في لبنان ودول الإنتشار، الى «تطيير» الإنتخابات خشية خسارتها لعدد من مقاعدها النيابية، ما يُضعف حجم كتلتها النيابية. والأهمّ عند هذه الأخيرة، أن يكون لها كلمة فاعلة في البرلمان، الذي سينتخب، بطبيعة الحال، رئيس الجمهورية المقبل في تشرين من العام المقبل. فإذا ما حافظت على مقاعدها الحالية من دون إنتخابات، فإنّ الأمر يريحها أكثر في الإستحقاق الرئاسي المقبل. علماً بأنّه من المستبعد أن يُمدّد أو يُجدّد المجلس النيابي الحالي لنفسه، كون هذا الأمر مرفوضا من قبل دول الخارج، كما من الشعب اللبناني الذي يطالب بغالبيته بحصول التغيير. كذلك فإنّ الإتفاق مع صندوق النقد الدولي يتضمّن إنجاز الإصلاحات المطلوبة التي تمثّل الإنتخابات النيابية بنداً أساسياً فيها.

وتؤكّد مصادر سياسية عليمة انّ غالبية القوى والأحزاب في الداخل تريد حصول الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، رغم عدم الإتفاق النهائي بعد، على ما إذا كان ستجري في 27 آذار أم في 8 أيّار المقبلين، نظراً لإعلان «التيّار الوطني الحرّ» تقديم الطعن بالقانون رقم 44 المعدّل في مجلس النوّاب، بأغلبية 59 صوتاً. ويبقى أمامه حتى الأسبوع المقبل لتقديمه.

أمّا ارتفاع عدد المسجّلين للإنتخابات النيابية من اللبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية، قبل أيّام من إقفال باب التسجيل في 20 تشرين الثاني الجاري، وتخطّيه الـ 115 ألف مسجلّ حتى الآن (أمس)، على ما أضافت، أي بتسجيل من 7 الى 8 آلاف يومياً، خلال اليومين السابقين، فقد بدأ يُثير قلق الأحزاب السياسية. علماً بأنّ ماكيناتها الإنتخابية تنشط بشكل واضح في دول عدّة في الخارج، من أجل تشجيع الناخبين على التسجيل ومن ثمّ الإقتراع لمصلحة مرشّحيها بهدف حصد أكبر عدد من الأصوات. وأكثر ما تخشاه مع تفاقم النقمة الشعبية التي أدّت الى مغادرة أكثر من 250 ألف لبناني البلد خلال الأشهر الأخيرة بسبب الأزمة الإقتصادية والمالية الخانقة، هو تغيّر المزاج الشعبي، وأن يقوم الناخبون بوعد الأحزاب أنّهم سينتخبون لها، فيما تذهب أصواتهم للمرشّحين المستقلين رغبة منهم بالتغيير.

وترى المصادر أنّه إذا ما استمرّ التسجيل على هذا المنوال، فقد يصل العدد الى نحو 200 أو 250 ألف مسجّل إذا ما تضاعف العدد في الأيام الثلاثة الأخيرة. علماً بأنّه كان متوقّعاً ارتفاع هذا العدد عمّا كان عليه في الدورة الماضية (أي في العام 2018). وتعود الأسباب أوّلاً الى تلافي بعض الأخطاء التي حصلت في السابق، ومن ثمّ الى تحضّر الناخبين بشكل أفضل للتسجيل من خلال تأمين المستندات القانونية المطلوبة خلال السنوات الماضية، كما بفعل «هجرة» عدد كبير من اللبنانيين المقيمين الى دول عدّة في العالم. وهؤلاء سينتخبون حيث هم، إذ لن يتمكّنوا من العودة الى للبنان للإنتخاب فيه، كونهم موظّفين جددا في بلدان الإنتشار وقد لا يحقّ لهم الحصول على عطلة، ثمّ لأنّ الإنتخاب في الخارج أسهل بالنسبة إليهم، ولا تتحكّم به أي أحزاب، على غرار ما يجري عادة في لبنان.

في الوقت نفسه، لا تزال ماكينات الأحزاب تُعلن عن تمسّك مناصريها ومؤيّديها بها، على ما تقول المصادر نفسها، وعن تشبّثهم بمواقفها، كونها هي الأكثر وطنية ومصداقية وتعمل من أجل مصلحة الشعب والوطن، من وجهة نظر كلّ منها. غير أنّ صناديق الإقتراع هي التي ستُقرّر هذه المرّة، إذا ما سيكون لانتفاضة 17 تشرين الأول 2019 أي مفاعيل إيجابية، من خلال خلق كتلة نيابية مستقلّة في المجلس النيابي الجديد، أم أنّ كلّ شريحة من الشعب اللبناني، لا تزال تنتمي الى حزبها وطائفتها وزعيمها قبل ولائها لوطنها.

وبرأيها، أنّ الإنتخابات النيابية ستحصل في مواعيدها الدستورية، مع مساندة المجتمع الدولي للبنان، على اعتبارها ركناً من أركان الديموقراطية وتحقيقاً لتطلّعات الشعب اللبناني، إلّا إذا حصل ما يُهدّد السلم الأهلي أي انفجار الوضع الأمني لسببٍ ما، في ظلّ تعليق انعقاد جلسات مجلس الوزراء على خلفية قضية القاضي طارق البيطار، وما أدّت إليه خلال أحداث الطيّونة في 14 تشرين الأول الفائت.

يبقى أنّ الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يعوّلان على أن يختار الشعب اللبناني الثائر على الطبقة السياسية والمصرفية وجوهاً جديدة تغييرية من شأنها وضع نظام جديد على أسس مختلفة. أمّا أن تكون هذه الوجوه مستقلّة كليّاً، أي من مجموعات المعارضة والمجتمع المدني، فمن شأن ذلك خلق لوبي داخل مجلس النوّاب تكون «مصلحة الوطن والمواطن» هدفه الأوحد، وليس مصلحة الأحزاب، أو مصالح دول الخارج التي لكلّ منها هدف ما تريد تحقيقه في لبنان. 

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟