اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تعتبر المخدّرات بشتّى أنواعها من أخطر الآفات التي تفتك بالمجتمعات وبنفوس المتعاطين، و إبان الحرب اللّبنانية، بدأت مظاهر تعاطي المخدّرات تظهر جلياً في لبنان، وشهدت مع مرور الزمن تنّوعاً في تصنيع أصناف جديدة منها، تمّ التسويق لها في الشارع اللّبناني.

وبدأت أرقام المتعاطين تزداد في لبنان عاماً بعد عام، وارتفعت معها أرقام المروّجين والتجّار.

لا إحصاءات واضحة حول أعداد المتعاطين، إلّا أنّ السلطات الّلبنانية تنشر يومياً تقريباً أخبار إلقاء القبض على أشخاص إمّا يتاجرون بالمخدّرات ويروجون لها، إمّا يتعاطونها في مختلف المناطق اللّبنانية.

اجتماعياً، تؤثّر الأزمة اللّبنانية في ارتفاع نسبة التعاطي رغم ارتفاع الأسعار بما أنّها منذ الأساس تسعّر بالدولار.

فبعد الضّغط النفسي الذي يعيشه اللّبنانيون، تكثر النفوس الهشة التي تهرب من واقعها بالطريقة الخطأ، فيتمّ الحديث عن ارتفاع واضح في أعداد الأفراد التي تتعاطى المخدّرات.

مصدر أمني رفيع المستوى، فضّل عدم الكشف عن اسمه، كشف للدّيار أنّ القوى الامنية لاحظت تصاعد أسهم أرقام الأشخاص الذين يتعاطون المخّدرات، ونتيجة التعقب والمتابعة، وبعد عدّة عمليات مداهمة أدّت الى إلقاء القبض على المتورطين في مختلف الأراضي اللّبنانية، لاحظت قوى الأمن، أنّهم من الفئة المقتدرة مالياً لجهة نوعية المواد المستعملة، فيما كثرت أيضاً أعداد المروّجين الّذين يجدون في الأمر إغراءات مالية خاصّة في هذه الظروف الصعبة التي تتجذّر في لبنان.

وأضاف المصدر: «في السنوات العشر الأخيرة تراجعت نسبيًّا عمليات زراعة وتهريب الحشيشة لعوامل متعددة، أبرزها عمليات تلف المزروعات والتضييق الأمني على مصنعيها ومروجيها ومهربيها، وتدني أسعارها مقارنة بأسعار الحبوب المخدرة وكلفة تصنيعها المتدنية. فزراعة الحشيشة تكون خلال موسم واحد في السنة، لكن الحبوب المخدرة يمكن تصنيعها على مدار الساعة، ولذلك نشطت عمليات تصنيع وتهريب هذه الأقراص، وتراجعت الحشيشة إلى المرتبة الثانية من حيث التهريب إلى الخارج، فتثابر القوى الأمنية على ضخّ جهودها كافّة في نشر التوعية من جهة، وملاحقة المتورطين في إفساد المجتمع».

على الصعيد النفسي، تشرح «جومانا يارد» دكتورة في علم النفس الإجتماعي للدّيار العلاقة بين الأزمة اللبنانية وارتفاع نسبة التعاطي : «تعاطي المخدّرات في الجتمعات آفة موجودة ومتوارثة عبر العصور، وفي تعمّق علمي، نجد أنّ من يلجأ الى التعاطي المخدّرات هو حتماً يخبئ داخله أزمات نفسية فضّل التفسيح عنها بالتوجّه نحو السلوكيات الخطأ عوض أن يُطوّر نفسه، وهنا لا يحقّ لنا كمجتمع أن ندين المدمن، بل يحقّ له الحصول على فرصة التوعية والمتابعة النفسية من أجل انتشاله من البؤرة الملوثة التي يعيش فيها.

أمّا عن الأزمة اللّبنانية فهي بطبيعة الحال أرخت بثقلها على اللّبنانيين جميعاً، فمنهم من خسر عمله، ومنهم من خسروا أحباءهم، وغيرهم من تبدّلت أحواله الى أن وجدوا أنفسهم أمام حلّ وحيد للاعتقاد بأنّهم بخير، وللأسف كان هذا الحلّ تعاطي المخدّرات هرباً من الواقع الذي يعيشونه».

وتضيف «يارد»: الأسوأ من كلّ ما تقدّم، هو نوعية الموادّ المخدّرة التي يتداولها هؤلاء الأفراد، فنظراً لارتفاع سعر صرف الدولار، باتت الأسعار مرتفعة جدا ولا يمكن للجميع تكبّدها، فعمد بعض المصنّعين الى انتاج مواد سيّئة جدّاً جّداً بأسعار مقبولة من أجل الاستمرارية، فيكون بذلك مفعولها أكثر فتكاً بصحّة من يتعاطاها».

«فريد» (34 عاماً) يقصّ للدّيار تجربته في تعاطي المخدّرات «كنت السنة الثانية في الجامعة أتابع تحصيلي العلمي حين تعرّفت الى شاب تسجّل معنا في الصفّ، وفي سهراتنا ليلاً، كان يتعاطى المخدّرات أمامنا وأقنعنا أنّها تؤثّر في النفسية لتضعها في خانة جيّدة جدّاً، مستغلّاً حديثنا عن الأزمة والأوضاع وعدم رغبتنا في العيش في لبنان، فكنت أنا شخصياً ضعيفاً أمامه، جرّبتها، أعجبتني، فبتّ أطلبها دائماً الى أن أصبحت أدمنها.

وبعد نحو ثلاثة شهور، دهمت دورية من قوى الأمن المنزل الذي كنّا فيه وألقي القبض علينا، وسُجنت لمدة أربعة أشهر، فبعد أن تمّ الإفراج عنّي، كرهت نفسي، كرهت نظرة المقرّبين لي، ولمت نفسي كثيراً على واقع فرضته بإرادتي على نفسي، ورغم أنّني بعيد اليوم كلّياً عن أجواء تعاطي المخدّرات، إلّا أنني سأبقى في عيون الناس «خرّيج الحبوس اللي بيتعاطى مخدّرات» والـ «حشّاش»!

في زمن باتت فيه مقومّات الحياة بهذه الدرجة من الصعوبة، ومع جيل، تفتّحت براعمه، نضجت وجفّت قبل أوانها، تبقى العبرة بالتّوعية من قبل الأهل، في المدارس والجامعات من أجل المحافظة على ما تبقّى من جيل صحّي وصحيح ولو كانت الظروف صعبة، فالإنجاز أن ننشل جيلاً من تحت الركام!

الأكثر قراءة

هل أخذت الحكومة الضوء الأخضر من صندوق النقد لإقرار خطّة التعافي؟ خطّة «عفى الله عما مضى» كارثة إقتصاديّة واجتماعيّة...وهذه هي الأسباب خمسة قوانين كلّ منها «كرة نار» رمتها الحكومة في ملعب المجلس النيابي