اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لكأن ما يحدث في فيينا التفاوض للتفاوض. ربما تكون هذه رغبة الجانبين. تكريس حالة الاتفاق واللااتفاق. لعلها الخيار المثالي ريثما ينجلي غبار الحرب العالمية الثالثة!

هذا لا يحول دون التساؤل، والمقاربات المتناقضة والمملة من الجانبين تتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم (ناهيك عن التراشق بالتهم)، عن المسؤول عن التعثر أو التأخر في التوقيع، وان كانت أخبار المفاوضات قد تراجعت الى الدرجة الثانية، أو الثالثة، ما دامت قعقعة السلاح في الشرق الأوروبي تصمّ الآذان كما تصمّ العيون...

جو بايدن، الغارق حتى أذنيه في الأزمات الداخلية، فيما الانتخابات النصفية في الكونغرس على الأبواب وقد تجعل منه رئيساً مع وقف التنفيذ، يعتقد أن مواصلة الحرب حتى الخريف المقبل لا تزعزع عظام القيصر فحسب، ودون نقطة دم من جندي أميركي، بل يمكن أن تفضي الى حدوث انقلاب في المشهد الانتخابي. اذ ذاك يمارس سلطاته كرئيس حقيقي دون أن يبقى رهينة الرياح العاتية التي تهب من تلة الكابيتول.

التركيبة الايديولوجية للنظام في ايران تركيبة معقدة، ومن الصعب أن تتماهى، أو أن تتداخل عضوياً، مع سياسة أي نظام آخر حتى لو ربطت بينهما علاقات استراتيجية. لهذا يعتقد الأميركيون أن الجمهورية الاسلامية لا يمكن أن تكون "دمية روسية" على أبواب الشرق الأدنى، كما على أبواب الشرق الأقصى.

روبرت مالي، رئيس الوفد الأميركي، تحدث غداة توقيع اتفاق 2015، عن "الازدواجية الخلاقة" في الديبلوماسية الايرانية. اذ يظهرون غالباً بوجوه متجهمة هم داخل الردهة براغماتيون ويتقنون "لغة الثريات".

لا أحد يشك في رغبتهم احياء اتفاق فيينا، لهذا لوحظت مواقفهم الهادئة حيال الأزمة الأوكرانية، وحيث تتفادى القيادة أي عقوبات اضافية قد تخلخل النظام الذي لا يمكنه الاعتماد، الى الأبد، على التعبئة العقائدية، وعلى العصبية العسكرية، في حين أن ثقافة السوق (والأفواه المفتوحة) تطغى على أي ثقافة أخرى. من تراه كان يتصور أن ايران تضطر لاستيراد الغاز؟

اذ يراهن آيات الله على رفع العقوبات، وخروج بلادهم من عنق الزجاجة، لا يريدون الغلبة الأميركية على الحليف الروسي، وهم الذين يرصدون، بما يشبه الصدمة، الضياع الروسي في التضاريس الأوكرانية. هذه الحال تحملهم على التريث في دفع المسار الديناميكي للمفاوضات كي لا يشعر الكرملين، الشديد العصبية في هذه الأيام، بأي طعنة في الظهر من دولة لطالما وقف الى جانبها في أكثر الظروف دقة وخطورة...

هذا وان كانت لدى القيادة الايرانية علامات استفهام كثيرة، وحادة، حول امتناع موسكو عن تزويدها بمنظومة "اس.اس ـ 400 "، وقد باعوها الى رجب اردوغان الذي يتوجس فلاديمير بوتين من طريقة لعبه داخل الشقوق الأميركية والروسية على السواء.

يضاف الى ذلك ما وصفه المعلق الأميركي ديفيد اغناثيوس بـ "رقصة الفالس الروسية على المسرح السوري" بين طهران وتل أبيب (وأنقرة)، وان كان الخبراء يعيدون تلك الحالة الى كون روسيا لها مصالحها الخاصة، وقراءتها الخاصة لللمسارات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ما يقتضي الأخذ بالنهج التكتيكي اياه، وهو ما يخدم الدولة السورية بدلاً من اضرام المزيد من الحرائق على الأرض.

هكذا تبدو الأجواء التي تحيط بمفاوضات فيينا. الأميركيون يتريثون، بضغط من الاسرائيليين، كما من بعض الحلفاء العرب، حتى اذا ما تمكنوا من دحر الروس بات باستطاعتهم جر طهران الى التنازل ان في مشاريعها الباليستية أو في مشاريعها الجيوسياسية.

الايرانيون، وان كانوا يتمنون العودة السريعة الى الاتفاق، يفضلون الحد من الايقاع التفاوضي بانتظار ما سيكون، وبعدما دعا الروس الى ضمانات حول العقوبات.

كيف يمكن تمرير الاتفاق، بالتداعيات الاستراتيجية الفائقة الأهمية ووسط تلك الأمواج الهوجاء ؟ المسرح الدولي يبدو أحياناً أقرب ما يكون الى مسرح اللامعقول. انها لعبة الأمبراطوريات التي توحي، بين الحين والآخر، بنهاية العالم. في الواقع، بداية أخرى للعالم...


الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!