اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

نشهد عشية الانتخابات النيابية هذه السنة شعارات رنّانة وخطابات طائفية ووعوداً وتخويناً واستهزاء وشدّاً للعصب ومهرجانات وافطارات ولقاءات علنية واخرى سريّة.

كيفما تجولت ترى وجوهاً واشكالاً «غريبة عجيبة» من كافة المستويات والثقافات، هناك من هو مرشح الشعب الجائع وآخر مرشح الشعب الكادح، هذا مرشح التغيير وذاك مرشح السيادة، هذه مرشحة المعارضة وتلك مرشحة السلطة...

ان اسماء اللوائح الانتخابية في كافة الدوائر تأخذك الى امبراطورية افلاطون، لائحة تحت عنوان «الاستقرار والانماء» واخرى» نحن قادرين» وثالثة «نحن فينا وبدنا» ورابعة «بيروت لنا» وخامسة وسادسة وسابعة... شعاراتها بناء الدولة واستعادة سيادتها... ناهيك عن مرشح محاربة الفساد ورائحة الفساد تفوح منه وهناك من هو مرشح البحر والجبل والشاطىء وهو ملوث للبحر وناهش للجبل ومستول على الشاطىء وآكل للاخضر واليابس! يطالعك من هو مرشح الوطن وتاريخه بالعمالة مصبوغ بالاحمر والاسود...

اذاً بعد اكتمال صورة اللوائح الانتخابية لهذا العام، وانتقاء الالوان والشعارات، يتطلع المواطنون الى مجلس نيابي جديد قادر على احداث تغيير جذري في حالة البلد على كافة الاصعدة. هنا لا اطلب على الاطلاق اعادتنا الى الحالة الشاذة التي قامت عليها الدولة الكرتونية بعد اتفاق الطائف، بل اطلب بناء دولة عصرية تليق بعلوم وطاقات وطموحات شبابنا، دولة يحكمها القانون والعدل.

لقد كتبت في مقال سابق «لا تنتخبوا الـ 100$» فوجدت نفسي غبيّاً اذ ان التسعيرة اصبحت 1000$ وما فوق!!! فالشعب الجائع لا يهمه شعارات ولا خطابات ولا برامجا ولا وعودا، كل ما يصبو اليه هؤلاء الناس، السترة والعيش بكرامة هم معلقون بحبال الهواء، فالمرشحون يبيعونهم اوهاماً و»على الوعد يا كمّون»، اوهاماً ما بعدها اوهام «وسمك بالبحر على مين يشيل».

شعارات الحملات الانتخابية عشية هذا الاستحقاق معارك شرسة في شتى المجالات، معارك على الارقام والالوان والاحصائيات والدراسات، فكل له أرقامه ونتائجه المسبقة! وكل يزايد على الآخر بالشفافية والقدرة والمعرفة والمواطنة وحتى «بيّي اقوى من بيّك، وجدّي أقوى من جدّك».

اذا كيفما سرت تطالعك لوحات اعلانية لمرشحات ومرشحين بألوان واشكال وشعارات تجعلك تظن ان ابواب السماء ستنفتح في 16 أيار.

الكل مرشح ضد الكل، والكل يخوّن الكل والكلّ يقول كلّن يعني كلن. حتى بما يسمّى المعارضة الجديدة مع ثوار الزمن الأتي هم منقسمون على انفسهم، فهم عدة جبهات وبأولويات وبرامج متناقضة ويخوّنون بعضهم بعضاً.

والاسوأ من ذلك ادعاء بعضهم ان الطبقة الفاسدة الحاكمة هي التي اوصلتنا الى ما نحن عليه ـ انا لا اخالفهم الرأي ـ بل المضحك المبكي انهم متحالفون مع هذه الطبقة التي يسمونها ليل نهار «كلن يعني كلّن» و»خابصة خبصة عجيبة غريبة»ّ.

في تقرير تلفزيوني بثته احدى المحطات اللبنانية خلال مهرجان انتخابي تبين ان العديد من المشاركين في هذا المهرجان لا يعلمون شيئا، فهم كومبارس هذا المسلسل يرددون الشعارات مقابل مبلغ مالي واحياناً اخرى لا يعلمون ماذا يقولون فشعار «فليسقط واحد من فوق» هو سيّد الموقف.

الملفت للنظر هو ان حليف الأمس هو خصم اليوم وخصم الامس حليف اليوم حتى خصم الحليف هو حليف وحليف الخصم هو خصم وحليفّ!

كل هذه الصور والتحالفات النافرة تجعلني اقول ان الحقيقة في خطر فكل ذئاب الماضي باتت حملانا وديعة وكل سفّاحي الامس باتوا نساكاً قديسين وكل سارقي الخزينة وجيوب الفقراء في الامس القريب يعتزمون مقاضاة السارق بل كل الفاسدين في الوزارات والصناديق والمجالس يحاضرون بالعفة وينوون قطع يد السارق! يا لهذا الزمن الرديء! هل بات الفاسد السارق وقحاً لدرجة انه يعمل على محاسبة الاوادم؟

للاسف انقلبت المعايير واختلط الحابل بالنابل فحفلات الكذب على الرأي العام هي عدة الشغل. للأسف اذا نجح هؤلاء، فعلى الدنيا السلام. انتظروا يا ايها اللبنانيون مجلساً نيابياً مشرذماً اغلبيته صقور الطائف وقدامى الحرب الاهلية وخبراء السمسرة و»النوفوريش» و»من هبّ ودبّ»!!

اذاً في ظل كل الازمات الاقتصادية والنقدية والصحية والتربوية والمعيشية التي نعيش، يشهد لبنان حربا انتخابية لا مثيل لها منذ سنوات، فالشد العصبي والطائفي في أوجّه والتحريض المذهبي في أعلى مستواه بل التخوين والترغيب والترهيب هو سيد الموقف.

للاسف ضجيج ما بعده ضجيج وصخب المهرجانات الانتخابية مضحك مبكي، فسموم الاتهامات تبث شمالا ويميناً وعلى كافة الوسائل الاعلامية، فترى الرياضي والممثل والمغني والراقصة والطباخ ومعلم الشاورما يتهمون ويخونون ويتفلسفون ويتهضمنون ويستهزئون ويكذبون... والكذب بالكيلو!!

مهزلة ما بعدها مهزلة زعماء الطوائف والاحزاب يسوّقون لأنفسهم عبر ازلامهم واعلامييهم ودولاراتهم والشعب يموت كل لحظة من الخوف والمرض والجوع في البحر والبرّ وعلى المرفأ وفي كل مكان.

الناس في واد والمسؤولون في واد وفي اغلب الاوقات يقفون على تلة مشرفة ينظرون الى الاسفل بشفقة لكن بدون رحمة.

هم منشغلون بالانتخابات والمطلوب واحد: «مرتا مرتا انك تهتمين بأمور كثيرة وتضطربين، انما المطلوب واحد».

المطلوب هو رعاية الناس في صحتهم وعلمهم وغذائهم وسكنهم وبيئتهم، المطلوب رعاية الاطفال المهمشين والايتام، المطلوب رعاية المسنين وتأمين العناية الصحية لهم، المطلوب الاهتمام بالشباب واعطائهم الفرص للعمل والاستثمار في هذا البلد.

بالمقابل المطلوب منك ايها المواطن ان تحكّم ضميرك لحظة الاقتراع لان بلدك في خطر ومستقبل اولادك في خطر.

لا الله ولا التاريخ سيرحمانا اذا عملنا بمقولة «كل عنزة معلقة بكرعوبا» رغم كل الذي يحصل!

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!