اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

«لا تقرأ السياسات الأميركية بعينيّ أريسطو، أو بعينيّ هيغل. حاول أن تضع مكان رأسك رأس أي مخلوق آخر، وليكن رأس الشيطان، ثم اقرأ. الأفضل أن تترك هذه المهمة المستحيلة لكهنة الغيب».

هوذا رأي الفيلسوف الأنكليزي برتراند راسل قبيل وفاته بالأنفلونزا عام 1970. الكاوبوي لا يلقي بقبعته أرضاً الا اذا شعر أنها قد تطير عن رأسه بطلقة بندقية. هذا ما حدث على يد «الفيتكونغ» في فيتنام، وما حدث على يد «طالبان» في أفغانستان. ولكن ثمة قلة في هذا العالم تتجرأ على التعامل بالعين الحمراء مع الاله الأميركي.

نتوقف عند اللهجة المخملية التي استخدمها نيد برايس، الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، حين تحدث أخيراً، عن كيم جونغ ـ أون، بكل تلك الحمولة النووية والباليستية، وبكل تلك الشخصية الرخامية، التي تتحدى التسونامي الأميركي.

السيناتور بيرني ساندورز قال لدونالد ترامب، عشية لقائه عام 2019، بالزعيم الكوري الشمالي، «أعتقد أن مهمتك تكون ناجحة اذا ما تمكنت من اقناع كيم بالتدرب على رقصة الروك اند رول، لكنني أخشى أن يرغمك على التدرب على رقصة الغانغانغ Ganggang التي كان يعشقها جده كيم ايل ـ سونغ».

تعقيباً على التجارب الصاروخية المتلاحقة، والتي يصل دويها الى لوس أنجلس وسان فرنسيسكو ونيوأورليانز على ضفاف المحيط الهادئ، أعلن برايس «أن الولايات المتحدة ما زالت منفتحة على اجراء محادثات مع بيونغ يانغ، بالرغم من الاستفزازات التي قام بها الزعيم كيم جونغ ـ أون»، ليضيف: «فعلاً ما زلنا على انفتاحنا على الانخراط في العملية الديبلوماسية مع كوريا الشمالية حول انهاء برنامجها النووي».

كلام ملتبس وموارب للرجل. متى قبل الكوريون التفاوض حول ترسانتهم النووية، وهي بمثابة «الرمح المقدس» الذي كان يحمله آباؤهم القدامى (الغوغريو) لحماية أنفسهم من «أصحاب الأرواح الشريرة»؟

اذ يعتبر كثيرون في المنطقة أن آيات الله يريدون حيازة القنبلة لتكريس، وربما لتوسيع، تمددهم الجيوسياسي، ومن جبال مران الى ضفاف المتوسط، لا من أجل تهديد الأمن الاستراتيجي الأميركي، لا بد من التساؤل عن السبب الذي جعل دونالد ترامب يدفع الصراع مع ايران الى حدود الانفجار بحجة برنامجها النووي، بالرغم من أن اتفاق فيينا عام 2015 قطع الطريق على ايران والتفكير بالقنبلة.

هل هو جزء من البروباغندا الصاخبة التي التصقت بشخصية ترامب، أم أنه ضغط اللوبي اليهودي لتبقى «اسرائيل» الدولة الوحيدة في المنطقة على الصعيد التكنولوجي، وبالتالي على الصعيد النووي؟

معلومات كثيرة تشير الى دور «الموساد» في اغتيال جون كنيدي، لأنه كان يزمع ايفاد بعثة أميركية الى «اسرائيل» للاطلاع على أنشطة مفاعل ديمونا. اذا تناسينا ما يتردد في المحافل الغربية من أن «اسرائيل» عملت على تحطيم جمال عبد الناصرلأنه اجتمع سرأ مع فريق رفيع المستوى من الخبراء النوويين السوفيات، كما دمرت قاذفاتها في 7 حزيران 1981، المفاعل النووي العراقي (تموز).

حدث هذا بالرغم من أن الادارات الأميركية المتعاقبة لم تتخلً يوماً عن احتضانها «للدولة العبرية»، والى حد الايحاء بأن الأمن الوجودي لهذه الدولة يحاكي الأمن الوجودي للأمبراطورية الأميركية.

الأميركيون لم يكترثوا لشكوى كل من طوكيو وسيول، وحتى مانيلا، من القدرات النووية لكيم جونغ ـ أون. كانغ كيونغ ـ وا، وزيرة خارجية كوريا الجنوبية، سألت نظيرها الأميركي مايك بومبيو «ماذا يكون شعورك اذا استيقظت ذات صباح، وفوجئت برجل مجنون في غرفة نومك، وهو يلوّح بقنبلة جاهزة للتفجير»؟

من كانوا في فريق ترامب كان يشيعون بأن الزعيم الكوري الشمالي يعيش داخل قمقم، وجلّ ما يريده الحفاظ على تركة العائلة في الادارة الديكتاتورية للبلاد.

لنأخذ برأي برتراند راسل. أن نقرأ السياسات الأميركية بعينيّ الشيطان. ما نستنتجه أن الشرق الأوسط ـ حيث نحن ـ نسخة عن «ديزني لاند»، ولكن فوق الرمال...

الأكثر قراءة

حصار أم اقتحام الضاحية الجنوبية؟!