اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ايلي يوسف العاقوري

لما كان التعليم في المؤسسات التربوية المسيحية يضم نسبة كبيرة من طلاب لبنان في كافة مراحله المدرسية والجامعية،

ولما كان لهذه المؤسسات العريقة دور كبير عبر التاريخ الحديث في تنشئة الاجيال وتثقيفهم وتعليمهم وتربيتهم.

ولما كانت سياسة هذه الدور هي الانفتاح وتبادل الثقافات بين العائلات الدينية اللبنانية وحب الوطن وعيش الاخوة بكل ابعادها، اخذت على عاتقها هذه الصروح الصمود في هذا المشرق المضطرب لتكون دوماً الشعلة النيّرة في هذه المنطقة من العالم فباتت منارة في الشرق كله اذ عمد المسؤولون عنها على بناء الانسان على كافة المستويات وبالتالي بناء الاوطان.

اما الآن فقد دقّ ناقوس الخطر واصبح الوضع على المحك، هذه المؤسسات مهدّدة وتاريخها مهدّد بل مستقبلها مهدّد.

كيف لنا ان نقف متفرجين؟ هل نتركها وحيدة لقدرها؟

هل بمقدرونا المساعدة؟ لكن كيف السبيل؟

من هي الجهات المعنية القادرة على رفع الضرر؟

هل من خطة تربوية شاملة تأخذ بعين الاعتبار وضع هذه المؤسسات؟

بالمختصر المفيد، كيف لنا جميعا ان نعمل لنؤمن استمرارية هذه الصروح العريقة؟ من اين نأتي بالمال والشعب اللبناني بات فقيرا؟

لا بد من تحمّل المسؤولية، الكل معني بهذا الموضوع الدولة والكنيسة والمواطن اللبناني وكل العاملين في هذا القطاع .

لا بل اكثر كل اصدقاء لبنان معنيون بهذا الموضوع ليس لانقاذ هذه المؤسسات فقد بل للحفاظ على الدور الريادي للبنان في المنطقة في كافة المجالات، اذ انه اذا كانت التربية في خطر فكل القطاعات الاخرى في خطر وبالتالي رسالة لبنان ستكون في خطر.

كلنا يدرك مدى الدور الريادي الذي يلعبه لبنان في هذه المنطقة، وهذا الدور هو امانة في اعناقنا جميعا ولن نفرط به ابدا.

من هنا ادعو الجميع العمل لاعادة تفعيل هذا الدور من خلال المؤسسات التربوية، فاعادة الحياة الطبيعية لها اولوية الاولويات فهي رسالة حياة وامل للشرق والغرب، دورها المحوري كبير في الاقتصاد الوطني وفي الشؤون الخارجية حيث ان لبنان هو ملتقى الشرق بالغرب.

هذا التفعيل يحتم علينا اخذ المبادرة اليوم قبل الغد فليس لدينا رفاهية الوقت. فالعام الدراسي على الابواب فالكل مصيره مجهول: المؤسسات، الاهل، الطلاب والاساتذة!!!

اقترح اقامة مؤتمر تربوي كبير على مستوى الدولة للنظر بوضع المؤسسات التربوية عامة والمسيحية خاصة ويكون ذلك برعاية بكركي ودعم رئاسة الجمهورية ويضم هذا المؤتمر كل من يغار على هذه الصروح وبالتالي على دور لبنان التربوي في المنطقة.

فالكل يجب ان يشارك وبالاخص رؤساء الطوائف المسيحية والعائلات الروحية كافة وايضا رؤساء الاحزاب ورجال الاعمال في الداخل وفي الانتشار مع حضور سفراء الدول الفرنكوفونية والانكلوفونية وممثلي الدول العربية وبالاخص الخليجية منها. وللفاتيكان دور كبير في هذا المؤتمر كونه الجهة الروحية الاكثر تأثيرا في العالم لما لها من علاقات ديبلوماسية فاعلة مع كافة الدول ومن نفوذ ايجابي على كافة المستويات ومثالا على ذلك اللقاء المفصلي الذي حصل في دولة الامارات من توقيع الوثيقة التاريخية: وثيقة الاخوة الانسانية من اجل السلام والامان العالمي والعيش معاً.

يكون لهذا المؤتمر هم وحيد وهو انقاذ هذه المؤسسات ماليا واستعادة الدور التربوي للبنان في المنطقة وذلك من خلال ثلاثة ابعاد وجودية: ممارسة المواطنة الصحيحة، عيش الاخوة الانسانية وثقافة السلام لما للتربية من تأثير مباشر على هذه الابعاد الثلاثة.

وهنا اقترح عدة اهداف يمكن ان تكون نقطة الانطلاق في خطة التعافي التربوي على المدَيَين القريب والبعيد وايضا لرؤية مستقبلية مشرقة للتربية في لبنان.

على المدى القريب، الاولوية تكمن في:

* الحفاظ على هذه المؤسسات حيّة – فدعمها المادي اولوية مطلقة.

* الحفاظ على الطلاب في مدارسهم وجامعاتهم بل في ارضهم هو ايضا احقية لهم.

* الحفاظ على الكادر البشري التعليمي والاداري اذ ان اي نزف جديد في هذا الكادر سيسبب في اضعاف مكامن القوة اكثر واكثر في هذه المؤسسات وهذا هو الرأسمال الذي لا يُعوّض!

* امكانية دمج عدة صروح تربوية وذلك لانقاذها في الوقت الراهن.

على المدى البعيد، يجب ان تُؤخذ بعين الاعتبار النقاط التالية:.

* استعادة الدور التربوي لهذه المؤسسات في المنطقة العربية.

* تطويرها على كافة المستويات وذلك عبر انشاء صندوق سيادي لكل جمعية او رهبنة يعمل على اعلاء شأن كل مؤسسة في كافة المجالات التربوية والتعليمية والتكنولوجية..

* امكانية توامة مدارس وجامعات لبنانية مع اخرى في الخارج وذلك لتبادل الخبرات ولمتابعة اي جديد في مجال التربية والتعليم.

* انشاء مشاريع ا قتصادية (تجارية – سياحية – زراعية – صناعية...) تكون داعمة لهذه المؤسسات التربوية والهدف هو تدوير المال في المرحلة القادمة والوصول الى الاكتفاء الذاتي لاحقا.

بما يخص الرؤية المستقبلية للتربية في لبنان وهذا هو بيت القصيد فالعمل كثير ويجب تحضير العاملين له، اذ ان "الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون" (مت9: 37).

هنا يمكنني ان اطرح عدة نقاط اساسية قد طرحتها في مقال سابق لي تحت عنوان "المصير مجهول" ويمكن التوسَع بها للوصول الى الاهداف المرجوة.

اولا البحث في نقاط قوة ونقاط ضعف مناهجنا التربوية الاكاديمية والمهنية والعمل على تطويرها.

* تفعيل دور التعليم المهني والتقني الذي هو باب من ابواب النهضة الاقتصادية (فلنتعلم من الشعبين الالماني والياباني..).

* ايجاد منصات الكترونية تضم كافة الموارد التربوية والبشرية لمواكبة التعلم عن بعد واعتباره تعليما قائما بحد ذاته لما لهذا التعليم من مردود مالي لكل مؤسسة فيكون طلابنا من جميع انحاء العالم . وذلك بعدما ان نستعيد ثقة العالم بقدرتنا التربوية.

في النهاية اقول كما عودتنا بكركي دائما ان تكون رأس حربة في كل المفاصل المهمة من تاريخ لبنان، نأمل منها في هذه الفترة العصيبة ان تتلقف هذا الاقتراح برحابة صدر وتبادر الى لمّ الشمل التربوي عبر مؤسساتها التربوية وعلى رأسها الامانة العامة للمدارس الكاثوليكية وتلعب دورها الابوي الرعوي لانقاذ رسالتنا في الشرق وهوية لبنان.

في الختام قال الرب "لاتخافوا انا معكم الى انقضاء الدهر" فما علينا الا ان نلتجئ اليه عند ضعفنا لنستمد القوة والشجاعة والثقة التي نحن بحاجة اليها، وكما قال لتلاميذه "لا تخافوا" هكذا سيقول لنا، فلنثق به غير مترددين بل مرددّين يا رب ها نحن نضع امامك كل مؤسساتنا التربوية واثقين انك لن تهملها حتى انقضاء الدهر.

ولتكن مشيئتك!


الأكثر قراءة

ميقاتي الى حكومة «رئاسيّة» جامعة.. و «الوطني الحرّ» و «القوات» سيُشاركان فيها الدولة تتحلّل والمواطن يُعاني.. والصراع على الحصص الحكوميّة مُستمرّ إتجاه لمُوظفي «المركزي» الى الإضراب المفتوح.. وخطر على معاشات القطاع العام