اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قبيل رحيله عام 2015، قال الكاتب الألماني غانتر غراس، الحائز على نوبل في الآداب «اذا كان السيد المسيح قد ظهر على هذه الأرض لكي يضرب بالسياط، ولكي يعلق على الخشبة من أجل خلاصنا. أي خلاص ذاك على مدى ألفي عام، سوى أن أدمغتنا، وأحذيتنا، تعمل ليل نهار لتحويل الكرة الأرضية الى... مقبرة»؟

رأى «أن تلك البشرية بعذابها وبجنونها وبعبقريتها، لا تستحق البكاء»، ليصف أوروبا بـ «العربة الفارهة التي تجرّها البغال». في نظره أن القارة التي أنتجت كولومبس ونيوتن وكانط وديكارت وفولتير وبيتهوفن، فضلاً عن هيغل واينشتاين، وحتى صوفيا لورين، وصولاً الى أدولف هتلر، في قبضة رجال البنتاغون، «الورثة الفرويديون لرعاة البقر».

صاحب «طبل الصفيح» تنبأ بـ «فوضى كونية في الطريق الينا. ربما تفضي الى الحرب العالمية الثالثة بعدما ناء الله بأثقالنا. لعله قطع كل علاقة له بنا. ولهذا نرى كيف أوصد أبواب السماء، وبات يخشى من ايفاد أي مبعوث آخر».

كنا نظن أن الفوضى الايديولوجية والفوضى الاستراتيجية، تقتصر على الشرق الأوسط. العالم كله في فوضى سيزيفية، غراس سأل «فوضى الكاوبوي أم فوضى الشيطان»؟

لا أحد يدري الى أين يتدحرج الكوكب وسط ذلك الدخان الأسود. الأميركيون الذين يراهنون على كسر أنف القيصر، وإلحاق سيبيريا ببلادهم مثلما ألحقت آلاسكا عام 1867، يتخوفون من أن تكون الخيوط أفلتت من أصابعهم.

ها أن أوروبا، الذراع الجيوستراتيجية للبيت الأبيض (ريجيس دوبريه يصفها بالذراع الغبية)، اذ يضربها الجفاف، تتقهقر اقتصادياً على نحو مروع. مؤشرات على العودة الى أزمة 1929. في هذه الحال، أين سيظهر أدولف هتلر الآخر ؟ دوبريه لاحظ أن الأميركيين «يحاولون احلال الفوهرر محل المسيح في لا وعينا» !

مئات المليارات تذهب هباء في أوكرانيا. الكسندر دوغين الذي يصغي اليه كثيراً رجال الكرملين، يسأل «باستطاعة القيصر أن يقاتل مائة عام على الأقل، لأن روسيا تبذل الدم للحيلولة دون حصارها. هل باستطاعة الأميركيين والأوروبيين أن يفعلوا ذلك»؟

ربما كان على خطى الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي الذي لاحظ أن السياسات الأميركية تقوم على مبدأ «الجراح المفتوحة»، أي الأزمات المفتوحة، لأن حصان الكاوبوي اعتاد أن يمشي بخيلاء فوق الجثث. متى لم يشبه الكاوبوي، بقبعة الأمبراطور، السكارى على أرصفة لاس فيغاس أو على أرصفة البيفرلي هيلز؟

أفغانستان تركت لذئاب تورا بورا الذين يمنعون الهواء عن النساء، ويبيحون بيع الفتيات في الأسواق. العراق بـ «صراع الأغبياء» يمضي نحو الحرب الأهلية. سوريا التي لم تمد روما بالطحين فقط، وانما بالأباطرة أيضاً، يقف أهلها في الطوابير أمام محطات الوقود، فيما الأميركيون يسرقون نفطها لتتجه الصهاريج الى المرتزقة، وحتى الى مقاتلي «داعش».

ألا تقتل «اسرائيل» بالدم البارد أطفال غزة، وهم يلعبون في فناء المقبرة، ثم تضع أميركا العرب أمام خيارين اما التطبيع مع البرابرة أو النهاية؟

ماذا عن لبنان؟ لا نتصور أن أركان السلطة يستطيعون الذهاب الى فراشهم، أو ابدال ملابسهم الداخلية، دون إذن من السيدة دوروثي شيا. سواء تم احياء الاتفاق النووي، أم طوي المسار التفاوضي. لبنان في الحالتين، يبقى الضحية بسبب التبعثر والتشتت الداخلي.

طوائف، ومذاهب، وقبائل، ومافيات، تتولى ادارة دولة في حال الموت السريري، كما ادارة مجتمع لا يلهث وراء الرغيف مثلما يلهث وراء فساتين (لافساتين) هيفاء وهبي، أو وراء لؤي علامة كحالة شاذة حوّلته الشاشات الى ظاهرة. حقاً، نستحق ما هو أكثر هولاً من السقوط...

لا دور لنا في أي استحقاق دستوري. اسألوا واشنطن، واسألوا طهران (الرياض بطبيعة الحال). في هذه الساعات الهائلة ننتظر على صفيح ساخن، نرقص على صفيح ساخن، دون أن ندري من، وماذا، يهبط علينا من المدخنة. هذا هو لبنان بـ «هالكم أرزة العاجقين الكون». كم نخدعكم، ونخدع أنفسنا!! 

الأكثر قراءة

إقرار مُوازنة «التخدير»... التضخم والإنكماش على «الأبواب» «إسرائيل» تهيىء «الإسرائيليين» لهضم الترسيم وتستعدّ للأسوأ ؟ «تعويم» حكومة ميقاتي يتقدّم... وشروط سعوديّة دون خطة !