اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أجل... يالبهائنا!

كلبنانيين... يا لبهائنا!

هي الدهشة حتى البكاء. استشعرنا ذلك حين دحرنا، بثلة من الرجال، الأقدام الهمجية التي عادت من حيث أتت، أي الى قاع الايديولوجيات، والى قاع الأزمنة. آنذاك بعثت الأرض. وقيل ... قيامة الأرض.

أين كانت قلوبنا التي ظننا أنها القلوب الغابرة، أمام الأداء الأسطوري لتلك الفتيات الفارهات اللواتي جعلت معلقاً تلفزيونياً، في لوس انجلس، يقول "الآن، أنا في كوكب آخر. لا أدري كيف جئت الى هنا، ولا كيف أعود". ابق هناك أو عد سيراً على الأقدام...

ذاك العبقري نديم شرفان الذي من الضجيج الداخلي، وهو يصغي الى الموسيقى (لكأنها موسيقى السحرة)، يصنع تلك التشكيلات الميتولوجية. هل يمكن للخيال أن يكون خيالياً الى ذلك الحد؟ خيالنا نحن الذي اذ حملته القبيلة الرحبانية الى القمر، حملته الطبقة السياسية الى الجحيم.

هكذا رآنا العالم. نوع آخر من البشر. هؤلاء الذين أنتجتهم عبقرية الهواء، وعبقرية السنابل، وعبقرية البنفسج حين كان يتلألأ أيام زمان بين أصابع أمهاتنا.

من سطوح بيوتنا، وكانت ملاذاً للعتابا والميجانا، بهرتنا الطيور المهاجرة، وهي تلاعب الغيوم لتفتح أمامها أبواب السفر. فرقة "مياس" جعلت حتى الطيور المهاجرة تتوقف لتقول "هنا نبقى. هنا الدنيا"...

تحت الثريات في بيفرلي هيلز، بدا لبنان الدنيا، وبدا الأيقونة، وبدا المعجزة. كيف لشاب، وسط الحطام، أن يجر الخيال الى عيوننا كمن يجر القمر الى شباك عاشقة.

نحن الذين لوحنا من بعيد ـ وايدينا تغرورق بالدموع، وتنكسر مثلما تنكسر السيوف على جدران الأندلس ـ لمناديل المرمر في غرناطة، كنا أمام الوجه الآخر لألف ليلة وليلة، الوجه الآخر لشهرزاد حين تتسلل من غرفة الملك الى فراش جلال الدين الرومي، أو الى فراش محيي الدين بن عربي، وهو يضع عباءة الله على كتفيه. لا أحد مثل هؤلاء ذاب في الله وذاب الله فيه.

لغة أخرى للجسد الذي كما لو أنه صيغ من زجاج القصيدة. المشهد جعلنا نستيقظ من ليل الأنين، ومن ليل الرماد. نحن اللبنانيون الآخرون الذين نقول للعرب، ونقول للعالم، اننا في افتراق كامل عن تلك الرؤوس العفنة التي تتراشق بعظامنا.

المرأة هنا الهة اغريقية. كي لا تغضب عشتار هنا الهة فينيقية. كي لا تغضب هند، وبثينة، وعاتكة، هنا الهة سومرية. ماذا يقول اساقفة تورا بورا في المراة. هي اللعنة. لكأنها الخطيئة التي لن تغتسل منها البشرية الى قيام الساعة. كم نحلم بأن تعشقنا الخطيئة، كما لو أن الوصية الحادية عشرة لم تقل: أن تصلي... لعينيها!

في لوس انجلس، كانت المراة اللبنانية بنيلوب، وهي تغزل الصوف وتنتظر أوليس عائداً على متن قارب من ليل الساحرات، وكانت اديث بياف تغني لرجل تناثر في قلبها كما تتناثر الريح على أبواب الغابة، وكانت بوبولينا التي جعلت زوربا يرقص على وقع قدر يكسر، دون هوادة، كل شيء، ويعبث، دون هوادة، بكل شيء.

وأخذنا بنظرية نيكوس كازانتزاكيس "لكي تجعل قلبك يحط كما اللقلاق على شفتي امرأة، ابحث عن امرأة بجناحي اللقلاق". هكذا كنا أمام فتيات الفرقة وهن يقلن "اذهبوا معنا الى حيث تنتظرنا فيروز على أبواب الزمن (يا زماناً ضاع في الزمن ...)، أو الى حيث تنتظرنا أم كلثوم بالآه التي تقول "آه أيتها... الآه!"

يفترض أن نصاب، وكما أصبنا فعلاً، بالهذيان (الشعري أم الفلسفي؟) أمام مياس (قدك المياس ياعمري)، ولتنتفض نساء الأرض على ثقافة الخطيئة، وتأخذنا الى ثقافة الرؤيا. نحن الذي احترفنا رقصة التانغو مع العدم آن لنا أن نرقص الفالس مع الآتيات، للتو، من كوكب آخر. من لغة أخرى. من... لبنان الآخر.

في تلك الليلة، كان أوثان السياسة عندنا يقبعون في العراء (عراة في العراء). أين الراقصون بين القبور من الراقصات على صهوة الدهر؟ يا لبهائهن...


الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله