اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


اذا كان البنك الدولي قد رأى أن ما حدث، ويحدث، لنا، مالياً واقتصادياً، احدى ثلاث أزمات أبوكاليبتية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وربما منذ أن ظهرت الخليقة، كيف يمكن توصيف أزمتنا السياسية بل أزمتنا الوجودية، وقد باتت تدور في حلقة مقفلة، بين تلك الرؤوس المقفلة؟

ديبلوماسي عربي كان يعمل في بيروت قبل انتقاله الى دولة أوروبية، قال لي "حكامكم لكأنهم حكام سدوم وعمورة لا حكام دولة لطالما رأينا فيها لؤلؤة الشرق". المشكلة أن ما أصابنا لم يكن بقرار الهي وانما كنتيجة لسياسات أولياء أمرنا. "الشيطان حين يرتدي الياقات الفاخرة ويختال فوق ظهورنا، بل فوق هياكلنا العظميةّ!".

المنظومة السياسية في حال من الغيبوبة الأبدية، كما لو أنها بتلك المواقف اللولبية، تنتظر حلاً (لها) يأتي من أي مكان، ولو كان هذا المكان جهنم. الشعب الذي لا وجود له الا في قرقعة الطناجر، أو في العتابا والميجانا، يزداد فرقة على فرقة، ويزداد موتاً على موت، كما لو أن الأزمة في كوكب آخر، لا في عيون، ولا في عظام، أطفاله.

الدول الاقليمية منشغلة بصراعاتها لكأن التاريخ في المنطقة لم يلفظ أنفاسه الأخيرة عند الباب العالي، أو عند أي باب آخر، وكما لو أننا لا نفهم الايديولوجيا الا هكذا، مستودعاً للموتى. الغريب، في حالتنا، أن الاجراس لا تقرع الا للموتى!

واقعاً، لا شيء هناك سوى "جيوبوليتيكا النفط". هذا كان عنوان ملف هام نشرته "اللوموند ديبلوماتيك"، وأظهر كم أننا، في نهاية المطاف، براميل نفط فارغة. عندنا في لبنان قلنا الصناديق الكرتونية الفارغة. جاك بيرك، المستشرق الذي أفتتن بتراثنا، حين كنا كائنات بشرية، خشي أن يضطر لوصفنا، في حالتنا، بـ "أمة اللامعنى"...

القوى العظمى التي تتولى صياغة الخرائط، تحديدا الخرائط التي تقود الى الدم، في قلب المعركة. من يقود العالم، وقد انتزعت الولايات المتحدة هذه المهمة، عنوة، من يدي الله. الكرة الأرضية أمام طراز آخر من الآلهة، بالتكشيرة النووية (يا لسذاجة آلهة الاغريق!). ما حل بهيروشيما أشد هولاً مما حل بسدوم وعمورة. حدقوا مليّاً في المشهد.

بلدنا الذي رأى فيه لامارتين، وهو يمشي كما السكارى بين غابات الصنوبر، أريكة القمر، وأحياناً أريكة الله، بات هيروشيما سياسية، وهيروشيما اقتصادية، وهيروشيما طائفية. لاحظوا كيف نبحث عن رئيس للجمهورية كما لو أننا نبحث عن البقية الباقية من طربوش عثماني...

لكننا، بغبائنا المنقطع النظير، نراهن على الغاز ينتقل بنا من الجلجلة الى الالدورادو. ثم يحدثونك عن الصندوق السيادي، كما لو أننا لم نتواطأ يوماً، وكل يوم، مع علي بابا والأربعين حرامي. لا تفريق هنا بين شيوخ الطرق وشيوخ الأرصفة.

حين تواجه دولة مركبة كاريكاتورياً كدولتنا أزمة كأزمتنا لا يكون الانتقال، من حال الى حال، الا بحرب داخلية (انفجار من أي نوع) أو بحرب خارجية. هنا الاشكالية الوجودية الكبرى. أي انفجار يفضي، أوتوماتيكياً، الى زوال لبنان. الفرنسيون، بالنظرة الديكارتية، حذرونا مرارا مما تفعله أيدينا، قالوا اننا على زلة قدم من الزوال. كما تعلمون لم يرف جفن لا للأوثان ولا لعبدة الأوثان...

تابعوا شاشاتنا، وبما يتفوه به ساستنا كما لو أن كلاً منهم يوحنا فم الذهب (ألا توجد أفواه من تنك؟). كلام في التفاهة، وفي الضحالة. فقط لكي يأخذونا الى مكان آخر. نصائح، ومواعظ. ياجماعة... من تراكم تنصحون، ومن تراكم تعظون، وأنتم أكلة عظام البشر؟

لا أحد يسمع أنيننا. لا أحد يسمع صراخنا. هكذا اهتمامات الكثيرين منا السيارة الفارهة لزوجة راغب علامة والتغيير الذي حدث في شفتي نادين نجيم.

نسينا رغيف الخبز وتنكة المازوت. هذه قضايا هامشية لا علاقة لها بشؤون الحياة. يا عزيزنا محمود درويش، نعتذر منك، وأنت هناك، ونفتقدك كثيراً لأنك هناك، لو كنت هنا لقلت في الحال "على هذه الأرض ـ أرض سدوم وعمورة ـ ما لا يستحق الحياة"!

الأكثر قراءة

بعد تداول خبر إستقالتها.. نانسي السبع تكشف لـ"الديار" عن السبب