اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

الوطن ثقافة، والحياة ثقافة، والحب ثقافة، بل إن الثقافة هي في تكامل مجتمع بذر الأوطان حبا نقيا فأينع حياة. لكم مرتّ على هذا الـ"لبنان" حروب واحتلال وحصار او إفساد وشقاق... غير أنّه كطائر الفينيق، يتماسك بعد كلّ طغيان لينهض من تحت الأنقاض بألوان حياة، ينفض عنه غبار المآسي ورماد الموت، ويتنفس من رئات الأحرار حقا وخيرا وجمالا.

ومن تكون البذور غير أجيال الطفولة والشباب، من تكون غير ذخر اللب الذي يحتاج إلى من يتقن زرعه واحتضانه والاهتمام به، حتى إذا ما نبت أغنى وإذا ما أغنى أدهش.

القلم والبندقية على تماس معا، كلاهما يعليان سياج الوطن وتصان بكليهما الأرض. فمن قال أن الأرض ترابا ليس إلا، فاته بأن الأرض يقين اليقين، فاته أن الأرض إيمان ووجدان، مسكن ومأمن، عز وفخر.

الأرض تراب جُبِل في رحم الحضارات، قضى فوق ترابه مناضلون سقوا عطشه بالقاني وكرسوا الفداء. فأعلي سياج الأرض بسواعد رجال امتشقوا البنادق، عانقوا البارود في فصل القتال، وحرصوا في سلم الفصول ان يكون أمان الياسمين ظلال. وفي اللب حيث ثمار الغلال، حيث الزرع المنتشي باحلام تعلو الجبال، عقول هذّبت مواسم الجهل، شذّبتها، طيّعتها، خصّبتها، ولفظت ولم تزل، عن ملح مياهها جثث الفساد، واشلاء أميّة التقوقع. في اللب بذور وأيّ بذور، في اللبّ طفولة وشباب يعقل بها زرع الأوطان..

فبين زند مرقط على الحدود، وراع يمتشق شرع الحروف، تعلو راية الوطن لتظلل الوطن، كل الوطن بكل اطيافه. فالوطن الوطن طيف لا أطياف، والمجتمعات الحقة شرعة حقوق وابداعات في الانسانية، يطال معها الشعب بأحلامه عنان السماء وأمضى، ليقول اللبنانيون من هنا، لا حدود للأحلام، الجذور وطن لا يعرف الفناء.

إنه الثاني والعشرون من تشرين الثاني عيد استقلال لبنان. وفي خطوة منها جمعت "غلوبال إيديوكايشن" طلاب لبنان من مدارسها التي لاقى فيها الشمال الجنوب، ولاقى الجبل البقاع على ارض بيروت في قاعدة بيروت للقوات الجوية، للاحتفال جنبا إلى جنب مع ضباط وعناصر من الجيش اللبناني، منشدين بالقلوب قبل الحناجر " كلنا للوطن" ومتيقنين بالعمل والمثابرة والفعل أن الوطن هو الكل، "كل أبنائه".

ضم الاحتفال ما يزيد عن الف وخمسمائة طالب وطالبة، اتوا من المدارس التي تديرها "غلوبال إيوكايشن"، وهي مدرسة الحكمة مار يوحنا مارون - عين الرمانة، مدرسة الآباء الكرمليين - طرابلس، مدرسة سيدة اللويزة - فيطرون، ثانوية أجيال المستقبل - صور والمدرسة اللبنانية العالمية - راشيا.

أستهل الاحتفال بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه كلمات القيت بالمناسبة من قبل طلاب المدارس المشاركة، حيث شددوا فيها على القيم الوطنية ومعاني الاستقلال، فانهمكت عيونهم وحناجرهم تعانق فرح الحروف التي صاغوها ليقدموها من القلب إلى القلب.

قدمت بعدها المدرسة اللبنانية العالمية مسرحية مغنّاة، شارك فيها عدد من الطلاب جسدت الوقائع والاحداث التي مرّ بها لبنان حين نال استقلاله عام 1943، ليستكمل الاحتفال بكلمة لرئيس مجلس إدارة "غلوبال إيديوكايشن" الباحث التربوي الدكتور ميلاد السبعلي وأبرز ما جاء في كلمته: " احييكم جميعا، من طرابلس، فيطرون، راشيا، صور وعين الرمانة، وما أجملها من صورة تجمع الوطن من اقصى شماله إلى أقصى جنوبه ومن البقاع إلى المتن وبيروت. نلتقي في يوم الاستقلال، في حضرة المؤسسة العسكرية، هذه المؤسسة التي لم تقدر عليها الأحداث، ولم يستطع ظرف أن يحيلها ألوانا، بل حافظ الزيّ المرقط على جمالية وطن باتحاده واكتماله في أبهى معاني الشرف والتضحية والوفاء".

اضاف: "نحن في "غلوبال إيديوكايشن" عقدنا العزم على بناء الوطن من خلال التربية، من خلالكم أنتم طلابنا وأبناءنا، من خلال بناء جيل يثمن التضحية والشرف ويعتمد الوفاء ويقاتل من أجل الحق الحق عبر صون الوطن من الفساد والمفسدين، من التبعية والتقوقع، من الرتابة والجهل، إلى مصاف النهضة بكل أشكالها. فلا نهضة لوطن إلا بنهضة أجياله الصاعدة، بنهضة شبابه، الذين إن مكناهم علما وثقافة قارعوا بها اصقاع الأرض. كما أقول دائما، نفط لبنان عقول أبنائه، إبداعاتهم وانجازاتهم وتميزهم".

وتابع: "وها نحن ثابتون ومصرون على اعتماد التربية المتكاملة التي تكرس حق المواطنة والانسانية والعلم والتطور والتكنولوجيا والمبادئ والقيم... فننهض بالوطن الأجمل". وشكر المؤسسة العسكرية بكلها و"نخصص قاعدة بيروت الجوية ونشكرها على استقبالنا ومنحنا فرصة إحياء هذا اليوم بين عناصرها، نشكر جهود الجيش الجبارة ونقدر تضحياته التي قدمها ويقدمها لدوام خير هذا الوطن".

وبدوره تحدّث قائد قاعدة بيروت الجوية المقدم الطيار محمود حسين عبود، فرحب بالجمع محييا جمالية ما يجسدون، وقال: قد شكل جمعهم استحضارا للشمال والبقاع والجنوب والجبل على ارض بيروت، فتماهى بفسيفساء المؤسسة العسكرية التي لم ولن تفقد يوما بريق اتحادها ولحمتها، وأضاف أن المؤسسة كانت وستكون لنكون كلنا للوطن.

تابع عبود "نحن في المؤسسة العسكرية أهلكم وأخوانكم، نثمن حضوركم الذي ادخل البهجة إلى قلوبنا في هذا العيد، ونقول لكم كونوا على الدوام خير مثابرين فلا يعلي مجد الأوطان إلا أبناءها وأجيالها الصاعدة، إلا مثقفوها الذين يذوذون عن حمى الوطن بالفكر والقلم والابداع".

بعد إلقاء الكلمات، قام السبعلي باسم "غلوبال إيديوكايشن" بتقديم درع لقائد الجيش العماد جوزيف عون تسلمه قائد قاعدة بيروت الجوية نيابة عنه، ودرع آخر للمقدم الطيار محمود حسين عبود قائد قاعدة بيروت الجوية، وذلك عربون محبة وتقدير في عيد الوطن. تبع ذلك تقديم باقات الورود من طلاب المدارس المشاركة للمقدم عبود والدكتور سبعلي.

تخلل الحفل قطع قالب من الحلوى، زينه العلم اللبناني وشعار المدارس المنضوية تحت اسم "غلوبال إيديوكايشن"، ليتبعه توافد مجموع الطلاب من المدارس كافة من ساحة العلم إلى مدرج المطار، حيث قدم الجيش استعراضا للطائرات العسكرية حلقت فيه إحدى الطائرات على علو منخفض فلاقى الأمر تفاعلا وإعجابا من الطلاب الذين قابلوه بالتصفيق، مطلقين هتافات محيية للجيش.

في عتمة الأزمات، قد تعلق الآمال في عنق الزجاجة، فتختنق الانفاس ويتجسد الصراع ضرورة. ولعل أبهى الصراع هو تكامل العقل والزند، القلم والزناد والقوة والفكر للقول للعالم أجمع: لبنان أمة لا تنكسر، لا تذل، بل تمتشق شراع متعلميها ومبدعيها وأبنائها الكل، لتكتب المجد تلو المجد وتكسر أصناما تدحرها النهضة.